إلا الله- على الكفر والضلال بعد معاينةِ الآياتِ البَيِّنَاتِ، فَلِعُبَّادِ الصَّليب أسْوَةٌ بإخوانهم من أهل الشِّرْك والضَّلال!.
فصل
في ذكر استنادهم في دينهم إلى أصحاب المجامع الذين كفَّر بعضُهم بعضًا، (ولعن بعضهم بعضًا)١، وتَلَقِّيْهِم أُصولَ دينهم عنهم.
ونحن نذكر الآن الأمر كيف ابتدأ، وتوسط، وانتهى، حتى كأنك تراه عِيَانًا٢.
كان الله سبحانه قد بشَّر بالمسيح على ألسنة أنبيائه، من لَدُنْ موسى إلى زمن٣ داود ومَنْ بَعْدَه من الأنبياء. وأكْثَرُ الأنبياء تبشيرًا به: داود. وكانت اليهود تنتظره وتصدِّق به قبل مبعثه، فلما بُعث كفروا به بغيًا وحسدًا، وشرَّدُوه في البلاد، وطَرَدُوه وحَبَسُوه٤، وهَمُّوا بقتله مرارًا إلى أن أجمعوا على القبض عليه وعلى قَتْله، فصانه اللهُ وأنقذَه من أيديهم ولم يُهنْهُ بأيديهم، وشُبِّه لهم أنهم صَلَبُوه ولم يَصْلِبُوه، كما قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ
(١) ساقط من "غ، ص".
(٢) انظر: "الجواب الصحيح" لابن تيمية: (٤/ ١٨٣) وما بعدها، فقد لخص المصنف هذا الفصل من كلامه، ومما نقله ابن تيمية ﵀ عن المؤرخ ابن البطريق في كتابه "نظم الجوهر" أو: "التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق": (١/ ٨٦) وما بعدها.
وقد اخْتُلِف في معنى قوله: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. (فقيل: المعنى ولكن شُبِّه للذين صلبوه بأن ألقي شبهه على غيره فَصَلَبوا الشَّبَهَ.
وقيل: المعنى)١ ولكن شُبِّه للنَّصارى، أي: حصلت لهم الشبهة في أمره، وليس لهم علم بأنّه ما قُتِل وما صُلِبَ، ولكن لما قال أعداؤه: إنهم قتلوه وصلبوه واتَّفق رَفْعُه من الأرض وقعتِ الشبهةُ في أمره، وصدَّقهم النصارى في صلبه لِتَتِمَّ الشَّناعةُ عليهم، وكيف ما كان فالمسيح -صلوات الله وسلامه عليه- لم يُقْتَل ولم يُصْلب يقينًا لا شكَّ فيه.
ثم تفرَّق الحَوَارِيُّون في البلاد -بعد رَفْعِه- على دينه ومنهاجه يَدْعُون الأمم إلى توحيد الله ودينه، والإيمان بعبده ورسوله ومسيحه، فدخل كثير من الناس في دينه ما بين ظَاهرٍ مشهور ومختفٍ مَسْتورٍ، وأعداءُ الله -اليهود- في غاية الشدة٢ والأذى لأصحابه وأتباعه، ولَقِيَ تلاميذ المسيح وأتباعُه من اليهود ومن الروم شِدَّةً شديدةً؛ من قَتْلٍ وعذابٍ، وتشريد وحبس، وغير ذلك، وكان اليهود في زمن المسيح في ذمَّة الروم، وكانوا ملوكًا عليهم، وكَتَب نائبُ الملِكِ ببيت المقدس إلى الملك يُعْلِمُه بأمر المسيح وتلاميذه، وما يفعل من العجائب الكثيرة من إبراء الأكْمَهِ والأَبْرَصِ وإحياء الموتى، فهمَّ أنْ يُؤْمِنَ به ويَتَّبِعَ دينه فلم يُتَابِعْهُ أصحابه، ثم هلك ووَلِيَ بعده ملكٌ آخر، فكان شديدًا على