هداية الحيارى

(تلامذة المسيح)١.

ثم مات وَوَلِيَ بعده آخر، وفي زمنه كتب "مرقس" إنْجِيْلَه بالعبرانيَّة، وفي زمانه صار إلى الإسكندرية، فدعا إلى الإيمان بالمسيح، وهو أول شخص جعل بَتْرَكًا على الإسكندرية، وصَيَّر٢ معه اثني عَشَرَ قسِّيسًا -على عدة نقباء بني إسرائيل في زمن موسى- وأمَرَهُمْ إذا مات البَتْرَكُ أن يختاروا من الاثني عشر واحدًا يجعلونه مكانه، ويضع الاثْنَا عَشَر أيْدِيَهُم على رأسه ويبرِّكونه، ثم يختارون رجلًا فاضلًا قسيسًا يصيِّرونه تمام العِدَّة.

ولم يزل أمر القوم كذلك إلى زمن قسطنطين. ثم انقطع هذا الرسم واصطلحوا على أن ينصِّبوا البَتْركَ من أيِّ بلد كان من أولئك القسِّيسيْنَ أو من غيرهم، ثم سَمَّوه "بابا"٣ ومعناه: أبو الآباء. وخرج "مرقس" إلى بَرْقَةَ يدعو الناس إلى دين المسيح.

ثم ملك آخر فأهاج على أتْبَاع المسيح الشَّرَّ والبلاءَ، وأخَذَهُمْ بأنواع العذاب، وفي عصره كتب "بطرس" -رئيسُ الحَوارِيِّيْن- إنجيلَ مرقس عنه بالرُّوميَّة، ونسبه إلى مرقس.

وفي عصره كتب لوقا "إنجيله" بالرُّوميَّة لرجل شريف من عظماء الروم، وكتب له "الأبركسيس" الذي فيه أخبار التلاميذ٤. وفي زمنه

  1. (١) في "غ، ص": "تلامذته".
  2. (٢) في "ج": "جعل".
  3. (٣) في "غ، ص": "يا باس".
  4. (٤) وهو المسمى أيضًا: "أعمال الرسل" مطبوع ضمن العهد الجديد. انظر: "محاضرات في النصرانية" للشيخ محمد أبو زهرة، ص "٤٩"، "الجواب =
388

صُلِب "بطرس"، وزعموا أنَّ بطرس قال له: إن أردت أن تَصْلِبَنِي فَاصْلِبْني مُنَكَّسًا لئلا أكون مِثْلَ سيِّدي المسيح فإنَّه صُلِبَ قائمًا، وضرب عنق بولس بالسيف، وأقام بطرس بعد صعود المسيح اثنتين وعشرين سنة، وأقام "مرقس" بالإسكندريَّة وبَرْقَةَ سبع سنين يدعو الناس إلى الإيمان بالمسيح، ثم قُتِلَ بالإسكندريَّة وأُحْرِق جسدُه بالنار.

ثم استمرَّتِ القياصرةُ ملوك الروم على هذه السيرة إلى أن مَلَكَ مِصْرَ قَيْصَرٌ يسمى "طيطس"١، فخرَّب بيت المقدس بعد المسيح بسبعين سنة بعد أن حاصرها، وأصاب أهلَها جوعٌ عظيم، وقَتَلَ مَنْ كان بها من ذكر وأنثى حتى كانوا يَشُقُّون بطون الحُبَالى ويضربون بأطفالهنَّ الصُّخورَ، وخرَّب المدينة وأضْرَمَ فيها النار، وأُحْصِي القتلى على يده فَبَلغُوا ثلاثةَ آلافِ ألفٍ.

ثم مَلَكَ ملوك آخرون؛ فكان منهم واحدٌ شديد على اليهود جدًّا فبلَّغوه أن النصارى يقولون: إن المسيح مَلِكُهم وأنَّ مُلْكَهُ يدوم إلى آخر الدهر، فاشتدَّ غضبُه وأمَرَ بقتل النصارى وأن لا يبقى في مُلْكِه٢ نصرانيٌّ. وكان "يوحنا" صاحب الإنجيل هناك فهرب، ثم أمر المَلِك بإكرامِهِمْ وتَرْكِ الاعتراض عليهم.

ثم ملك بعده آخرُ فأثار على النصارى بلاءً عظيمًا، وقتل بتركَ أنطاكية برومية، وقَتَلَ أُسْقُفَّ بيت المقدس وصَلَبَهُ، وله يومئذ مائة وعشرون سنة، وأمر باستعباد النَّصارى فاشتدَّ عليهم البلاءُ إلى أن

  1. = الصحيح": (٤/ ١٨٩).
  2. (١) "تاريخ ابن البطريق": (١/ ٩٩).
  3. (٢) في "ب، ج": "مملكته".
389

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي