ثم قام بعده "دانقيوس١ " (-ويسمى دقيانوس-)٢ فلقي النصارى منه بلاءً عظيمًا، وقَتَل منهم ما لا يُحْصَى، وقَتَل بترك رومية، وبنى هيكلًا عظيمًا، وجعل فيه الأصنام، وأمر أن يُسْجَد لها ويُذْبَح لها، ومن لم يفعل قُتِل، فقتل خلقًا كثيرًا من النصارى، وصُلِبوا على الهيكل، واتخذ من أولاد عظماء المدينة سبعة غلمان٣ فجعلهم خاصَّته وقدَّمهم على جميع مَنْ عنده، وكانوا لا يسجدون للأصنام، فأُعْلِم الملك بخبرهم فحبسهم ثم أطلقهم، وخرج إلى مخرج له، فأخذ الفتيةُ كلَّ ما لهم فتصدَّقوا به، ثم خرجوا إلى جبل عظيم فيه كهف كبير فاختفوا فيه، وصبَّ الله عليهم النعاس فناموا كالأموات، وأمر الملك أن يُبْنَى عليهم بابُ الكهف ليموتوا، فأخذ قائدٌ من قواده صفيحة من نحاس فكتب٤ فيها أسماءهم وقصتهم وما تمَّ مع دقيانوس وصيَّرها في صندوق من نحاس، ودفنه داخل الكهف وسدَّه. ثم مات الملك٥.
ثم قام بعده قيصر آخر، وفي زمنه جعل في أنطاكية بتركًا يسمى "بولس الشمشاطي"٦ وهو أول من ابتدع في شأن المسيح اللاهوت والناسوت، وكانت النصارى قبله كلمتُهم واحدة؛ أنَّه عبدٌ رسولٌ مخلوق مصنوع مربوب، لا يختلف فيه اثنان منهم. فقال بولس هذا
(٦) في "ب، غ، ص": "السمساطي" وفي "تاريخ ابن البطريق": "السميساطي".
-وهو أول من أفسد (دين النصارى)١ -: إن سيدنا المسيح خَلَقَ من اللَّاهوت إنسانًا كواحد منا في جوهره، وأن ابتداء الابن من مريم، وإنه اصْطُفِي ليكون مخلِّصًا للجوهر الإنسيِّ صَحِبَتْه النعمةُ الإلهيَّة فحلَّت فيه بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمي ابن الله. وقال: إن الله جوهرٌ واحدٌ وأُقْنُومٌ واحدٌ٢.
قال سعيد بن البِطْرِيْق٣: وبعد موته اجتمع ثلاثة عشر أُسْقُفًّا في مدينة أنطاكية ونظروا في مقالة "بولس"، فأوجبوا عليه اللَّعْن، فلعنوه ولعنوا من يقول بقوله، وانصرفوا.
ثم قام قيصر آخر فكانت٤ النصارى في زمنه يُصَلُّون في المطامير والبيوت فزعًا من الروم، ولم يكن بترك الإسكندرية يظهر خوفًا أن يقتل، فقام بارون بتركًا فلم يزل يداري الروم حتى بني بالإسكندرية كنيسة٥.
ثم قام قياصرة أُخَر، منهم اثنان تملَّكا على الروم إحدى وعشرين سنة فأثارا على النصارى بلاءً عظيمًا وعذابًا أليمًا وشدة تجلُّ عن الوصف من القتل والعذاب، واستباحة الحريم والأموال، وقتل ألوف مؤلَّفة من النصارى، وعذَّبوا مار جرجس أصناف٦ العذاب، ثم قتلوه.