هداية الحيارى

تلميذان١، وكان في زمنه "أريوس" يقول: إن الأب وحده الله الفرد الصمد، والابن مخلوق مصنوع، وقد كان الأب إذْ لم يكن الابن، فقال بطرس لتلميذَيْه: إن المسيح لعن أريوس فاحذرا أن تقبلا قوله، فإني رأيت المسيح في النوم مشقوق الثوب، فقلت: يا سيدي! من شقَّ ثوبَك؟ فقال لي: أريوس فاحذروا أن تقبلوه أو يدخل معكم الكنيسة.

وبعد قتل بطرس بخمس سنين صيَّر أحد تلميذيه بتركًا على الإسكندرية فأقام ستة أشهر ومات، ولما جرى على أريوس ما جرى أظهر أنه قد رجع عن مقالته، فقبله هذا البترك، وأدخله الكنيسة، وجعله قسيسًا.

ثم قام قيصر آخر فجعل يتطلب النصارى ويقتلهم حتى صبَّ الله عليه النَّقِمَة فهلك شَرَّ هلكة.

ثم قام بعده قيصران: (أحدهما) مَلَك الشام وأرض الروم وبعض الشرق، (والآخر) روميةَ وما جاورها، وكانا كالسِّباع الضارية على النصارى، فَعَلَا بهم من القتل والسَّبي والجلاء ما لم يفعله بهم مَلِكٌ قبله، وملك معهما "فسطس"٢ أبو قسطنطين، وكان ديِّنًا٣ يبغَض الأصنام محبًّا للنصارى، فخرج إلى ناحية الجزيرة والرُّها، فنزل في قرية من قرى الرُّهَا فرأى هناك امرأة جميلة يقال لها "هيلانة"، وكانت قد تنصَّرت على يدي أُسْقُفّ الرُّهَا وتعلَّمت قراءة الكتب، فخطبها قسطنطين من أبيها، فزوَّجه إياها، فحبلت منه وولدت قسطنطين، فتربّى بالرُّها،

  1. (١) في "غ": "تلميذ".
  2. (٢) في الأصل "قسطنطين" والمثبت من "الجواب الصحيح" عن ابن البطريق. وهو الصواب. والله أعلم.
  3. (٣) في "ب، ج": "مبغضًا".
395

وتعلَّم حكمة اليونان، وكان جميل الوجه قليل الشرِّ مُحبًّا للحكمة.

وكان "عليانوس"١ -ملك الروم حينئذ- رجلًا (فاجرًا، شديد البأس، مبغضًا للنصارى جدًّا، كثير القتل فيهم، مُحبًّا للنساء، لم يترك للنصارى بنتًا جميلة)٢ إلا أفسدها، وكذلك أصحابه، وكان النصارى في جهد جهيد معه، فبلغه خبر قسطنطين وأنه غلامٌ هادٍ، قليلُ الشّرِّ، كثيرُ العِلْم. وأخبره المنجِّمون والكهنة أنه سيملك مُلْكًا عظيمًا، فهمَّ بقتله. فهرب قسطنطين من الرُّها، ووصل إلى أبيه فسلَّم إليه الملك، ثم مات أبوه، وصبَّ الله على "عليانوس" أنواعًا من البلاء حتى تعجب الناس مما ناله، ورَحِمَهُ أعداؤه مما حلَّ به، فرجع إلى نفسه وقال: لعل هذا بسببِ ظلم النصارى. فكتب إلى جميع عُمَّاله أن يُطْلِقُوا٣ النصارى من الحبوس، وأن يكرموهم ويسألوهم أن يَدْعُوا له في صلواتهم، فوهب الله له العافيةَ، ورجع إلى أفضل ما كان عليه من الصحة والقوة، فلما صحَّ وقوي رجع إلى شَرٍّ مما كان عليه من الصحة٤، وكتب إلى عماله أن يقتلوا النصارى ولا يَدَعُوا في مملكته نصرانيًّا، ولا يسكنوا له مدينة ولا قرية، فكان القتلى يحملون على العجل ويُرْمى بهم في البحر والصحاري.

وأما قيصر الآخر، الذي كان معه، فكان شديدًا على النصارى، واستعبد من كان برومية من النصارى، ونَهَبَ أموالَهم، وقتل رجالَهم

  1. (١) في "الجواب الصحيح": "علانيوس".
  2. (٢) ساقط من "غ، ص".
  3. (٣) في "ج" تصحفت إلى: "يقتلوا".
  4. (٤) ساقط من "ب، ج".
396

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي