ثم كان لهم مجمع عاشر١ لما مات الملك ووَلِيَ بعده ابنُه، واجتمع فريق المجمع السادس وزعموا أنَّ اجتماعهم كان على الباطل، فجمع الملك مائة وثلاثين أُسْقُفًّا فَثبَّتوا قول المجمع السادس ولعنوا من لعنهم وخالفهم. وثبَّتوا قول المجامع الخمسة، ولعنوا من لعنوا٢ وانصرفوا٣.
فانقرضت هذه المجامع والحشود، وهم علماءُ النصارى وقدماؤهم وناقِلُو الدِّين إلى المتأخرين، وإليهم يستند مَنْ بعدهم.
وقد اشتملت هذه المجامع العشرة المشهورة على زهاءِ أربعةَ عَشَرَ ألفًا من الأساقفة والبتاركة والرهبان، كلُّهم يكفِّر بعضُهم بعضًا، ويلعنُ بعضُهم بعضًا. فدِيْنُهُم إنما قام على اللعنة بشهادة بعضهم على بعض، وكلٌ منهم لاعنٌ ملعونٌ.
(١) هنا ينتهي السقط في "ص" الذي ابتدأ من المجمع السابع كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
(٢) في "ج": "لعنهم".
(٣) انظر: "تاريخ ابن البطريق": (٢/ ٣٦ - ٣٧).
فصل
فإذا كانت هذه حال المتقدِّمين١ مع قرب زمنهم من أيام المسيح وبقاء أخيارهم فيهم، والدولةُ دولتهم والكلمةُ لهم، وعلماؤهم إذْ ذاك أوفرُ ما كانوا، واحتفالُهم بأمر دينهم واهتمامهم به كما ترى، ثم هم مع ذلك تائهون حائرون بين لاعنٍ وملعونٍ لا يثبت لهم قَدَمٌ، ولا يتحصَّل لهم قول في معرفة معبودهم. بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه وباح باللَّعن والبراءة ممَّن اتَّبع سواه.
= فما الظنُّ بحُثَالةِ٢ الماضين٣، ونُفَايةِ الغَابِرين، وزُبَالةِ الحائرين، وذُرِّيَّة الضَّالين، وقد طال عليهم الأمد، وبَعُد العهد، وصار دينُهم ما يتلقَّونه٤ عن الرُّهْبان. وقوم إذا كشفت عنهم وَجَدْتَهم أشبَه شيءٍ بالأنعام، وإن كانوا في صُوَر الأنام، بل هم كما قال تعالى -ومن أصدق من الله قيلًا-: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾[الفرقان: ٤٤].