هداية الحيارى

والأقاليم والجبال والأنهار.

فإن جاز القَدْحُ في ذلك كلِّه، فالقدحُ في وجود عيسى وموسى وآياتِ نبوتهما أَجْوَزُ وأجوز، وإن امتنع القَدْح فيهما وفي آيات نبوتهما فامتناعه في محمد ﷺ وآيات نبوته أشدُّ.

ولذلك١ لمَّا علم بعضُ علماءِ أهلِ الكتاب أنَّ الإيمان بموسى لا يتمُّ مع التكذيب بمحمد أبدًا = (كَفَر بالجميع)٢، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١].

قال سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ: جاء رجل من اليهود، يقال له مالكُ بنُ الصَّيف، يخاصم النبيَّ ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "أَنشُدكَ بالذي أنزل التوراةَ على موسى، أمَا تجدُ في التوراة أنَّ الله يبغض الحَبْرَ السَّمين؟! "-وكان حبرًا سمينًا- فغضب عدوُّ الله وقال: والله (ما أنزل الله)٣ على بشرٍ من شيء. فقال له أصحابه الذين معه: ويحك ولا موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. فأنزل الله ﷿ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾٤ الآية

  1. (١) في "غ، ص": "وكذلك".
  2. (٢) في "غ" تصحفت إلى: "كفرنا بجميع".
  3. (٣) ساقط من "غ".
  4. (٤) أخرجه الطبري: (١١/ ٥٢١ - ٥٢٢)، والواحدي في "أسباب النزول" ص (٢٥٣)، وابن هشام في "السيرة": (١/ ٥٤٧). وانظر "تفسير البغوي": (٢/ ٤٣).
433

وهذا قول عكرمة١.

وقال محمد بن كعب: "جاء ناسٌ من اليهود إلى النبيِّ ﷺ -وهو محتب، فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحًا يحملها من عند الله ﷿ فأنزل الله ﷿٢: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ الآية [النساء: ١٥٣] ".

وجاء رجلٌ من اليهود فقال: ما أنزل اللهُ عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحدٍ شيئًا، ما أنزل الله على بشير من شيء، فحلَّ رسول الله ﷺ حُبْوته٣، وجعل يقول: ولا على أحد؟!٤.

وذهب جماعةٌ، منهم مجاهد، إلى أنَّ الآية نزلت في مشركي قريش، فهم الذين جَحَدُوا أصل الرسالة، وكذَّبوا بالرسل، وأما أهلُ الكتاب فلم يجحدوا نبوة موسى وعيسى. وهذا اختيار ابن جرير٥، قال: وهو أوْلى الأقاويل بالصواب، لأنَّ ذلك في سياق الخبر عنهم، فهو أشبه من أن يكون خبرًا عن اليهود، ولم يَجْرِ لهم ذكر يكون هذا به متصلًا، مع ما في الخبر عن من أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن

  1. (١) الطبري في الموضع السابق.
  2. (٢) انظر: "تفسير البغوي": (١/ ٦١٧)، "الدر المنثور" للسيوطي: (٢/ ٧٢٦)، "أسباب النزول" للواحدي، ص (١٩٧).
  3. (٣) احتبى: جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها. والاسم الحَبْوَةُ، والحُبْوَة.
  4. (٤) انظر المراجع السابقة.
  5. (٥) "تفسير الطبري": (١١/ ٥٢٥).
434

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي