وقال محمد بن كعب: "جاء ناسٌ من اليهود إلى النبيِّ ﷺ -وهو محتب، فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحًا يحملها من عند الله ﷿ فأنزل الله ﷿٢: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ الآية [النساء: ١٥٣] ".
وجاء رجلٌ من اليهود فقال: ما أنزل اللهُ عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحدٍ شيئًا، ما أنزل الله على بشير من شيء، فحلَّ رسول الله ﷺ حُبْوته٣، وجعل يقول: ولا على أحد؟!٤.
وذهب جماعةٌ، منهم مجاهد، إلى أنَّ الآية نزلت في مشركي قريش، فهم الذين جَحَدُوا أصل الرسالة، وكذَّبوا بالرسل، وأما أهلُ الكتاب فلم يجحدوا نبوة موسى وعيسى. وهذا اختيار ابن جرير٥، قال: وهو أوْلى الأقاويل بالصواب، لأنَّ ذلك في سياق الخبر عنهم، فهو أشبه من أن يكون خبرًا عن اليهود، ولم يَجْرِ لهم ذكر يكون هذا به متصلًا، مع ما في الخبر عن من أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن
(٣) احتبى: جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها. والاسم الحَبْوَةُ، والحُبْوَة.
(٤) انظر المراجع السابقة.
(٥) "تفسير الطبري": (١١/ ٥٢٥).
يكون الله أنزل على بشر شيئًا١ من الكتب، وليس ذلك مما تَدِيْنُ به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإقرارُ بصُحُف إبراهيمَ، وموسى، وزبور داود. والخبر من أول السورة إلى هذا الموضع خبرٌ عن المشركين من عَبَدَةِ الأوثان، وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ موصولٌ به غيرُ مفصولٍ عنه.
قلت: ويقوِّي قولَه، أنَّ السورة مكيةٌ، فهي خبرٌ عن زنادقة العرب المنكرين لأصل النبوة.
ولكن؛ بقي أن يقال: فكيف يحسن الردُّ عليهم بما لا يُقرُّون به من إنزال الكتاب الذي جاء به موسى؟ وكيف يقال لهم: "يَجْعَلُونَهُ قَرَاطيسَ يُبْدُوْنَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا"، ولاسيما على قراءة من قرأ بتاء الخطاب٢؟ وهل ذلك صالح لغير اليهود؟ فإنهم كانوا يخفون من الكتاب ما لا يوافق أهواءهم وأغراضهم، ويُبْدُون منه ما سواه، فاحتجَّ عليهم بما يُقِرُّون به من كتاب موسى، ثم وبَّخهم بأنهم خانوا الله ورسوله فيه، فأخْفَوا بعضه وأظهروا بعضه، وهذا استطراد من ذكر جَحْدِهم النبوة بالكلية، وذلك إخفاء لها وكتمان، إلى جحد بعض٣ ما أقرُّوا به من كتابهم بإخفائه وكتمانه، فتلك سجيَّةٌ لهم معروفةٌ لا تُنْكَر، إذْ مَنْ أخفى بعضَ كتابِه الذي