هداية الحيارى

فصل

ولذلك كان جَحْدُ نبوَّة خَاتَمِ أنبيائه ورُسُلِه، وتكذِيبُه: إنكارًا للربِّ -تعالى- في الحقيقة١، وجحودًا له، فلا يمكن الإقرارُ بربوبيَّتِه وإلهيَّتِه ومُلْكه، بل ولا بوجوده، مع تكذيبِ محمدِ بنِ عبدِ الله ﷺ.

وقد أشرنا إلى ذلك في المناظرة التي تقدَّمتْ، فلا يُجَامعُ الكُفْرُ برسولِ الله ﷺ، الإقرارَ بالربِّ -تعالى- وصفاته أصلًا، كما لا يجامع الكفرُ٢ بالمعاد، واليومِ الآخرِ٣ الإقرارَ بوجود الصَّانع أصلًا.

وقد ذكر -سبحانه- ذلك في مَوْضِعَيْن (من كتابه)٤ في سورة الرعد، في قوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥].

والثاني في سورة الكهف، في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ٣٥ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ٣٦ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ٣٧ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٨].

فالرسولُ -صلوات الله عليه- إنما جاء بتعريفِ الربِّ -تعالى-

  1. (١) في "ج": "حقيقة".
  2. (٢) ساقط من "ب، ج"، وفي "د": "جحد".
  3. (٣) ساقطة من "ب".
  4. (٤) ساقط من "ب، ج".
439

بأسمائِهِ وصفاتهِ وأفعالِه، والتعريفِ١ بحقوقِه٢ على عباده، فمَنْ أنكر رسالاتِه٣ فقد أنكرَ الربَّ الذي دعا إليه، وحُقوقَهُ التي أمَرَ بها. بل نقول: لا يمكن الاعترافُ بالحقائق -على ما هي عليه- مع تكذيب رسوله.

وهذا ظاهرٌ جدًّا لمن تأمَّل مقالاتِ أهلِ الأرض وأديانَهُمْ:

فإنَّ الفلاسفة؛ لم يمكنهم٤ الاعترافُ بالملائكةِ والجنِّ والمبدأ والمعادِ، وتفاصيلهما، وتفاصيلِ صفات الرب -تعالى- وأفعاله، مع إنكار النبوات، بل والحقائق المشاهَدَةِ -التي لا يمكن إنكارُها- لم يُثْبِتُوها ما علمه، ولا أثْبَتُوا حقيقةً واحدةً على ما هى عليه البتَّة. وهَذا ثمرةُ إنكارِهم النبوَّات، فسَلَبَهُم اللهُ إدراكَ الحقائق التي زعموا أنَّ عقولَهم كافيةٌ في إدراكها، فلم يُدْرِكُوا منها شيئًا على ما هو عليه، حتى ولا الماءَ ولا الهواءَ ولا الشمس ولا غيرها. فمَنْ تأمَّلَ مذاهبَهم فيها: عَلِمَ أنَّهم لم يُدْرِكُوها٥ وإنْ عَرَفُوا من ذلك بعضَ ما خَفِيَ على غيرهم.

وأما المجوس: فأضلُّ وأضلُّ.

وأما عُبَّادُ الأصنام: فلا عَرَفُوا الخالقَ، ولا عرفوا حقيقةَ المخلوقاتِ، ولا مَيَّزُوا بين الشياطين والملائكة وبين الأرواحِ الطيّبةِ والخبيثةِ، وبين أحْسَنِ الحَسَنِ وأقْبَحِ القبيح، ولا عَرفوا كمالَ النفس وما

  1. (١) في " د": "والعريف".
  2. (٢) في "ج": "لحقوقه".
  3. (٣) في "ب، غ": "رسالته".
  4. (٤) في "ب، ج، غ": "يمكنها".
  5. (٥) في "ج، ب": "يذكروها".
440

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي