هداية الحيارى

بعضها البَشَرُ، ثم قالوا بعد ذلك: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾١ [البقرة: ٥٥].

وكان الله سبحانه قد أمر موسى أن يختار من خيارهم سبعين رجلًا لميقاته فاختارهم موسى وذهب بهم إلى الجبل، فلما دَنَا موسى من الجبل وَقَع عليه عمودُ الغمام حتى تغشَّى٢ الجبل، وقال للقوم: ادنوا. ودَنَا القومُ)٣ حتى إذا دخلوا في الحجاب وقعوا سُجَّدًا، فسمعوا الربَّ -تعالى- وهو يكلِّمُ موسى ويأمُرُه وينهاه ويعهد إليه، فلما انكشف الغَمامُ قالوا: لن نُؤمِنَ لك حتى نَرى الله جهرةً.

ومِنْ جهلهم: أنَّ هارون لما مات ودَفَنَهُ موسى قالت بنو إسرائيل لموسى: أنتَ قتلتَه، حَسَدتَّه على خُلُقِه ولِيْنِه، ومحبَّةِ إسرائيل له. قال: فاختاروا سبعين رجلًا، فوقفوا على (قبر هارونَ)٤، فقال موسى: يا هارون أَقُتِلْتَ أم مِتَّ، قال: بل متُّ، وما قَتَلَنِي أحدٌ!!

فحَسْبُك من جهالةِ أمةٍ وجفائِهم أنَّهم اتَّهموا نبيَّهم ونَسَبُوه إلى قَتْلِ أخيه، فقال موسى: ما قَتَلْتُه، فلم يصدِّقوه حتى أسمعهم كلامَه وبراءة أخيه مما رَمَوه به!!

ومِنْ جهلهم: أنَّ الله -سبحانه- شبههم في حَمْلِهِم التوراةَ وعَدَمِ الفقه فيها والعملِ بها بالحمار يحملُ أسْفَارًا. وفي هذا التشبيه من النِّداء على جهالتهم وجوهٌ متعددة:

  1. (١) ما بين القوسين ساقط من "غ".
  2. (٢) في "ج": "غشى".
  3. (٣) نهاية السقط في "غ".
  4. (٤) في: "ج": "قبره".
446

(منها) أنَّ الحمار من أبْلَدِ الحيوانات التي يُضْرَبُ بها المَثلُ في البلادة١.

(و(منها) أنَّه لو حمل غير الأسفار من طعام أو علف أو ماء لكان له به شعورٌ بخلاف الأسفار)٢.

و(منها) أنَّهم حُمِّلوها، لا أنهم حَمَلُوها طوعًا واختيارًا، بل كانوا كالمكلَّفين لما حملوه لم يرفعوا به رأسًا.

و(منها) أنهم حيث حملوها تكليفًا وقهرًا لم يَرْضَوا بها، ولم يحملوها رضًا واختيارًا، وقد علموا٣ أنهم لابُدَّ لهم منها، وأنهم إنْ حملوها اختيارًا كانت لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.

و(منها) أنها مشتملةٌ على مصالحِ معاشِهم ومعادهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فإعراضُهم عن التزام ما فيه سعادتُهم وفلاحُهم إلى ضدِّه، من غايةِ الجهل والغَبَاوة وعدمِ الَفِطَانة.

ومِنْ جهلهم وقِفة معرفتهم: أنهم طلبوا، عِوَضَ المنِّ والسَّلوى -اللذين هما منْ أطيب الأطعمة وأنفعها وأوفقها للغذاء الصالح- البَقْلَ والقِثَّاءَ والثُّومَ والعَدَس والبَصَلَ، ومَنْ رضي باستبدال هذه الأغذية عوضًا عن المنِّ والسلوى لم يكثر عليه أن يستبدلَ الكُفْرَ بالإيمانِ، والضلالةَ بالهدى، والغضبَ بالرِّضى، والعقوبةَ بالرحمة. وهذه حالُ مَنْ لم يعرف ربَّه ولا كتابه ولا رسولَه ولا نَفْسَه.

  1. (١) في "غ": "البلاد".
  2. (٢) ما بين القوسين ساقط من "غ، ص".
  3. (٣) ساقط من "غ".
447

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي