وأمَّا نقضُهم ميثاقَهم، وتبديلُهم أحكامَ التوراة، وتحريفُهم الكَلِمَ عن مواضعه، وأكلُهم الرِّبا وقد نهوا عنه، وأكلهُم الرِّشا، واعتداؤهم في السبت حتى مُسِخوا قِرَدةً، وقَتْلُهم الأنبياءَ بغير حقٍّ، وتكذيبُهُم عيسى ابن مريم رسول الله، ورَمْيُهُم له ولأُمِّه بالعظائم، وحِرْصُهم على قتله، وتفرُّدُهم دون الأمم بالخبث والبهت، وشِدَّةُ تكالبهم على الدنيا وحرصهم عليها، وقسوة قلوبهم، وحسدهم، وكثرة سحرهم١ = فإليه النِّهايةُ.
وهذا وأضعافُه -من الجهل وفساد العقل- قليلٌ على من كذَّب رُسُلَ الله، وجَاهَرَ بمعاداتِهِ ومعاداة ملائكتِه وأنبيائِه وأهلِ ولايتِهِ.
فأيُّ شيء عَرَفَ من لم يَعْرفِ اللهَ ورُسُلَه؟! وأيُّ حقيقةٍ أدرك من فاتَتْهُ هذه الحقيقة؟! وأيُّ علمٍ أو عملٍ حصل لمن فاته العِلْمُ بالله، والعملُ بمرضاته، ومعرفةُ الطريقِ الموصلةِ إليه، ومآله بعد الوصولِ إليه؟!
فصل
فأهلُ الأرضِ كلُّهم في ظلمات الجهلِ والغيِّ٢ إلا من أَشْرَق عليه نورُ النبوة، كما في "المسند" وغيره من حديث عبدِ الله بنِ عَمْرو، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله خَلَقَ خَلْقَهُ في ظُلْمةٍ وألْقَى عليهم من نوره، فَمَنْ أصابَهُ من ذلك النُّور: اهتدى، ومَنْ أخطأه: ضَلَّ، فلذلك أقول: جَفَّ القَلم على عِلْمِ اللهِ"٣.
(١) في "ص": "سخرهم".
(٢) في "ج": "البغي".
(٣) أخرجه الإمام أحمد: (٢/ ١٧٦)، والترمذي في الإيمان، باب افتراق هذه =
ولذلك١ بَعَثَ اللهُ رُسُلَه (لِيُخْرِجُوا النَّاسَ)٢ من الظُّلماتِ إلى النُّور، فمَنْ أجابهم: خرجَ إلى الفَضَاءِ والنُّورِ والضِّياءِ، ومَنْ لم يُجبْهم: بَقِيَ في الضِّيق والظُّلْمَةِ التي خُلِق فيها، وهي: ظلمة الطَّبْع، وَظلمة الجهلِ، وظلمة الهوى، وظلمة الغَفْلة عن نفسه وكمالها، وما تسعد به في معاشِهَا ومَعَادِهَا.
فهذه كلُّها٣ ظلماتٌ، خُلِقَ فيها العبد، فَبَعَثَ اللهُ رسلَه لإخراجه منها إلى نور٤ العِلْم والمعرفةِ والإيمان والهدى الذي لا سعادةَ للنفس بدونه البتَّة، فمن أخطاه هذا النورُ: أخطأه حظُّه وكمالُه وسعادتُه، وصار يتقلَّب في ظلماتٍ بعضُها فوق بعض، فمدخلُه ظلمةٌ، ومخرجُه ظلمةٌ، وقولُه ظلمةٌ، وعَمَلُه ظلمةٌ، وقَصْدُه ظلمةٌ، وهو متخبِّطٌ في ظلماتِ طبعِه وهواهُ وجهلِهِ، وقَلْبُه مظلمٌ، ووجهُه٥ مظلمٌ، لأنه يبقى على الظلمةِ الأصليَّةِ، ولا يناسِبُه من الأقوالِ والأعمالِ والإرادة والعقائد إلا ظلماتُها. فلو أشْرَقَ له شيءٌ من نور النبوَّة لكان بمنزلة إشراقِ الشمس على بصر٦ الخُفَّاش.
= الأمة: (٧/ ٤٠١) وقال: "هذا حديث حسن"، والحاكم: (١/ ٣٠ - ٣١). وقال: "هذا حديث صحيح تداوله الأئمة، وقد احتجا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علة". وقال الذهبي: "على شرطهما ولا علة له"، وصححه ابن حبان. انظر: "موارد الظمآن" للهيثمي، ص (٤٤٩).