يجد الدارس لكتاب "هداية الحيارى" أن المؤلف سلك منهجًا وصفيًا استقرائيًا نقديًا مقارنًا. فهو منهج وصفي يستند إلى التحليل باستقراء الجزئيات وتصنيفها وترتيبها، مع التوثق والتأكُّد من صحة نسبة الأقوال ومناقشتها، وما يكتنفها من شروح وتفسيرات.
وهو أيضًا منهج استنباطي يستخدم القواعد الأصولية واللغوية، وينطلق من الجزئيات إلى الحقائق العامة. وهو كذلك منهج مقارن يقابل الآراء والأقوال ببعضها ويوازن بينها، ولا يهمل المنهج التاريخي في كثير من المواضع، وبذلك كان المنهج والطريقة التي سلكها المصنف منهجًا متكاملًا وطريقة في البحث شاملة.
وامتاز أسلوب الكتاب بالوضوح في العبارة، والبعد عن الجفاف والتعقيد الذي يصادفه القارئ في مثل هذه المباحث الجدلية والردود، كما امتاز بقوة الحجة والدليل، وتنوع وسائل الاستنباط، وذلك ما جعله يسدُّ منافذ الهرب من إقامة الحجة والدليل على مَنْ أثار الشبهات وأورد المسائل والطعون التي كانت سببًا لتأليف هذا الكتاب.
ونجد في الكتاب أيضًا استطرادات تدعو إليها أحيانًا المناسبة، وفي هذا فائدة للقارئ، وإن كانت أحيانًا تقطع سلسلة الأفكار المتتابعة، وتفصل بين فقرات الموضوع الواحد المتكامل.
نسبة الكتاب لمؤلفه وتسميته:
إن نسبة الكتاب لابن القيم ثابتة من طرق، فقد جاءت النسخ الخطية كلها مصرِّحة بذلك، كما أن المصنف ﵀ صرَّح باسم كتابه هذا
في بعض كتبه الأخرى، وذكر فيها بعض مسائله١. كما جاءت نسبة الكتاب أيضًا في بعض المصادر التي ترجمت للمصنف مثل "كشف الظنون" لحاجي خليفة، و"هدية العارفين" للبغدادي٢.
أما تسمية الكتاب؛ فقد جاء اسمه كاملًا في المخطوطات التي اعتُمِدت في التحقيق، كما جاء الاسم في المصادر وهو "هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى"، كما نصَّ عليه المصنف أيضًا في مقدمته. وهذا يشير إلى أن ما نجده أحيانًا في بعض النسخ الخطية من مغايرة لهذا العنوان إنما هو تصحيف أو اختصار، كالذي جاء في نسخة مكتبة أياصوفيا في موضع واحد منها "كتاب الحيارى .. "، وفي نسخة مكتبة الحاج بشير آغا في إستانبول: "هداية الخيارى … ".
مصادر الكتاب:
اعتمد المصنف ﵀ جملة من المصادر التي لها قيمتها العلمية، وقد تنوعت ما بين كتب في التفسير كالطبري، وفي الحديث كالصحاح والسنن والمسانيد وغيرها مما نقل عنها، وفي السيرة النبوية والشمائل والدلائل، مثل "سيرة ابن إسحاق"، و"سيرة ابن هشام"، و"دلائل النبوة" للبيهقي، ولأبي نُعَيْم، ولقوَّام السنة. ونقل عن ابن قتيبة من كتابه الذي لا يزال مخطوطًا وهو "أعلام رسول الله ﷺ في التوراة والإنجيل"، وكذلك كتب الطبقات وتراجم الصحابة مثل "طبقات ابن سعد" و"الاستيعاب" لابن عبد البر، "والتاريخ الكبير" للبخاري، وكان
(١) انظر مثلًا: "أحكام أهل الذمة": (١/ ٢٦٧ - ٢٦٩) مع تعليق المحقق، "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان": (٢/ ٣٣٠ - ٣٣٣).