العظام وتمزق اللُّحْمَانَ، وهو يستغيثُ: يا قومِ ارحَمُونِي! فلا يرحمُه منهم إنسانٌ.
هذا؛ وهو مدبِّر١ العالم العلويِّ والسفلي الذي يسأله مَنْ في السموات والأرض كلَّ يوم هو في شأن! ثم مات ودفن في التراب تحت صُمِّ الجَنَادل٢ والصَّوَّان، ثم قام من القبر، وصعد إلى عرشه ومُلكه٣ بعد أن كان ما كان.
فما ظنك بفروع هذا أصلُها الذي قام عليه البنيان!
أو دينٍ أُسِّس بنيانُه على عبادة الإله المنحوت٤ بالأيدي بعد نحت الأفكار من سائر أجناس الأرض٥ على اختلاف الأنواع والأصناف والألوان، والخضوع له والتذلل والخرور سجودًا على الأذقان، لا يؤمن مَنْ يدين به بالله ولا ملائكته، ولا كتبه ولا رسله، ولا لقائه يوم يجزى المسيء بإساءته والمحسن بِالإِحسان٦.
أو دين الأمَّة الغَضَبيَّة الذين انسلخوا من رضوان الله كانسلاخ الحيَّة من قِشرها٧، وبَاؤوا بالغَضَب والخِزْي٨ والهَوانِ، وفارَقُوا أحكاَمَ التوراةِ ونَبَذُوها وراءَ ظهورَهم، واشتروا بها القليل من
(١) في "ج": "يدير".
(٢) هي الحجارة العظيمة القاسية. والصوَّان: نوع من الحجارة الصلبة.
أو دينٍ أُسِّس بنيانه على أنَّ ربَّ العالمين وجود مُطْلَقٌ في الأذهان، لا حقيقةَ له في الأعيان، ليس بداخلٍ في العَالَمِ ولا خارجٍ عنه، ولا متَّصل به ولا منفصلٍ عنه، ولا محايثٍ ولا مباينٍ له، ولا٣ يَسمع، ولا يَرى، ولا يعلم شيئًا من الموجودات ولا يفعل ما يشاء، لا حياة له، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا اختيار، ولم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، بل لم تزل السموات والأرض معه، وجودها مقارن لوجوده، لم يُحْدِثْها بعد عدمها، ولا له قدرة على إفنائها بعد وجودها، ما أنزل٤ على بشرٍ كتابًا، ولا أرسل إلى الناس رسولًا، فلا شرع يتبع، ولا رسول يطاع، ولا دار بعد هذه الدار، ولا مبدأ للعالم ولا معاد، ولا بعث ولا نشور، ولا جنة ولا نار، إن هي إلا تسعة أفلاك وعشرة عقول، وأربعة أركان وأفلاك تدور، ونجوم تسير، وأرحام تدفع، وأرض تبلع، و﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾[الجاثية: ٢٤].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضدَّ له ولا ندَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا كفؤ له، تعالى عن إفك المبطلين، وخَرْص٥