هداية الحيارى

الكاذبين، وتقدَّس عن شرك المشركين، وأباطيل الملحدين.

كَذَبَ العادلون به سواه، وضَلُّوا ضلالًا بعيدًا، وخسروا خسرانًا مبينًا: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ٩٢﴾ [المؤمنون: ٩١، ٩٢].

وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفوتُه من خلقه وخِيرتُه من بَرِيَّتِه، وأمينُه على وَحْيهِ، وسفيرُه١ بينه وبين عباده. ابتعثه بخير مِلَّة وأحسن شِرْعة، وأظهر دلالة وأوضح حُجَّة، وأبْيَنِ برهانٍ إلى جميع العالمين: إنسهم وجنَّهم، عَرَبهم وعَجَمِهم، حاضرِهم وبَادِيهم؛ الذي بشَّرتْ به الكتب السالفة، وأخبرتْ به الرُّسل الماضية، وجرى ذكره في الأعصار، في القرى والأمصار والأمم الخالية، ضُرِبَتْ لنبوَّتِهِ البشائرُ مِنْ عهد آدم أبي البشر، إلى عهد المسيح ابن البشر، كلَّما قام رسولٌ أُخذ عليه الميثاقُ بالإيمان به والبشارة بنبوَّته، حتى انتهت النبوَّةُ إلى كَلِيْم الرحمن، موسى بنِ عِمْرَانَ، فأذَّن بنبوَّته على رؤوس الأشهاد بين بني إسرائيل، مُعْلِنًا بالأذان: "جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران"٢ إلى أن ظهر المسيح ابن مريم، عبدُ الله ورسولُه، وروحُه وكلمتُه التي ألقاها إلى مريم فأذَّن بنبوَّته أذانًا لم يؤذّنْه أحدٌ مثلُه قَبْلَه٣.

فقام في بني إسرائيل مقامَ الصَّادق النَّاصح -وكانوا لا يُحبُّون

  1. (١) في "غ": "وسفيرته".
  2. (٢) سفر تثنية الاشتراع؛ فصل (٣٣) فقرة (٢).
  3. (٣) في "غ": "قبلُ".
8

النَّاصحين- فقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦].

تالله لقد أذَّن المسيح أذانا سَمِعه١ البادي والحاضر، فأجابه المؤمنُ المصدِّق، وقامت حُجَّةُ الله على الجاحد الكافر. الله أكبر الله أكبر عما يقول فيه المبطلون. ويصفه به الكاذبون، وينسبه إليه المفترون والجاحدون.

ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نِدَّ له ولا كُفْؤ له، ولا صاحبةَ له، ولا وَلَدَ له٢، بل هو الأحدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ، ولم يُوْلَدْ، ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ.

ثم رفع صوته بالشهادة لأخيه وأَوْلى النَّاس به؛ بأنه عبد الله ورسوله، وأنه أركون٣ العالَم، وأنه روحُ الحق الذي لا يتكلم من قِبَل نَفْسهِ، إنما يقول ما يقال له، وأنه يخبر٤ الناس بكل ما أعدَّ الله لهم، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالغيوب ويجيئهم بالتأويل، ويوبِّخ العالَم على الخطيئة، ويخلِّصهم من يد الشيطان، وتستمرّ شريعته وسلطانه إلى آخر الدَّهْر، وصرَّح في أذانه باسمه ونَعْتِه وصِفَتِه وسيرته حتى كأنهم ينظرون إليه عيانًا٥.

ثم قال حيَّ على الصلاةِ خلفَ إمام المرسلين وسيِّدِ ولد آدَمَ

  1. (١) في "ص": "أسمعه"، وفي "ب": "أسمع".
  2. (٢) في "ج، غ" زيادة: "ولا والد له".
  3. (٣) في "ب": "أركان"، وفي "غ": "اركعون". والأركون هو العظيم.
  4. (٤) في "غ": "يجيء".
  5. (٥) انظر: العهد الجديد، يوحنا: ١٦/ ٧ - ١٤.
9

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي