هداية الحيارى

أجمعين، حيَّ على الفلاح باتباع مَنِ السعادةُ في اتِّباعهِ، والفلاِحُ في الدخول في زمرة أشياعه، فأذَّن وأقام وتولَّى وقال: "لستُ أدَعُكم كالأيتام، وسأعود وأصلي وراء هذا الإمام، هذا عهدي إليكم، إنْ حفظتموه دام لكم المُلْكُ إلى آخر الأيام"١.

فصلَّى اللهُ عليه منْ ناصع بشَّرَ برسالة أخيه -عليهما أفضل٢ الصلاة والسلام- وصدَّق به أخوه، ونزّهه عما قال فيه وفي أمِّه أعداؤه المغضوبُ عليهم من الإفك والباطل وزُوْرِ الكلام، كما نزَّه ربَّه وخالقه ومُرْسِلَه عمَّا قال فيه المثلِّثةُ عُبَّاد الصليب، ونسبوه إليه من النَّقْص والعَيْبِ والذّمِّ.

أما بعد:

فإنَّ الله -جلَّ ثناؤهُ وتقدَّست أسماؤه وتبارك اسمُه وتعالى جَدُّه ولا إله غيره- جعلَ الإسلامَ عصمةً لمن لجأ٣ إليه، وجُنَّةً لمن استمسك به وعضَّ بالنواجذ عليه، فهو حَرَمُه الذي مَنْ دخله كان من الآمنين، وحِصْنُهُ الذي من لجأ إليه كان من الفائزين، ومَنِ انقطع دونه كان من الهالكين، وأبى أن يقبل من أحد دينًا سواه -ولو بذل في المسير إليه جهده واستفرغ قواه٤ - فأظهره على الدِّين كلِّه حتى طبَّق مشارقَ الأرض ومغاربَها، وسار مَسِيْرَ الشَّمس في الأقطار، وبَلَغَ إلى حيث انتهى اللَّيلُ والنَّهار.

  1. (١) انظر: يوحنا: ١٤/ ١٥ - ١٩.
  2. (٢) ساقط من "ص".
  3. (٣) في "ص": "يلجأ".
  4. (٤) في "ب، ج": "قوله".
10

وعَلَتِ الدعوةُ الإسلاميَّة وارتفعت غايةَ الارتفاع والاعتلاء، بحيث صار أصلها ثابتًا، وفرعها في السماء، فتضاءلت لها جميع الأديان، وخَرَّت١ تحتها الأممُ منقادةً بالخضوع والذلِّ والإذعانِ، ونادى المنادي بشعارها في جوِّ السماء بين الخافِقَيْن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صارخًا بالشهادتين، حتى بطلت دعوة الشيطان، وتلاشت٢ عبادة الأوثان، واضمحلَّت عبادة النيران، وذل٣ المثلِّثة عُبَّاد الصُّلْبان، وتقطَّعت الأمةُ الغضبيَّة في الأرض كتقطُّع السَّراب في القِيْعَان.

وصارت كلمة الإسلام العليا، وصار له في قلوب الخلائق المثل الأعلى، وقامتْ براهينُه وحججُه على سائر الأمم في الآخرة والأولى، وبلغت منزلتُه في العُلَى والرفعة٤ الغايةَ القُصْوى، وأقام لدولته٥ ومصطفيه أعوانًا وأنصارًا، نشروا ألويتَهُ وأعلامَهُ، وحفظوا من التغيير والتبديل حدودَهُ وأحكامَهُ، وبلَّغوا إلى نظرائهم -كما بلَّغ إليهم مَنْ قَبْلَهُم- حلالَه وحرامَهُ، فعظَّموا شعائره، وعلَّموا شرائعه، وجاهدوا أعداءه بالحجة والبيان حتى اسْتَغْلَظَ وَاسْتَوَى على سُوْقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ويَغِيظُ الكُفَّارَ.

وعلا بنيانُه المؤسَّسُ على تقوى من الله ورضوان، إذْ٦ كان بناء

  1. (١) في "ب، غ، ص": "وجرت".
  2. (٢) في "غ": "تداشت".
  3. (٣) بهامش "ب" عن نسخة أخرى: "وذلت".
  4. (٤) في "ب، ج، غ": "العلو والدفعة".
  5. (٥) في "ب، ج": "له وإليه".
  6. (٦) في "ب": "إذا".
11

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي