فأين يذهب مَنْ تولَّى عن توحيد ربّه وطاعته، ولم يرفع رأسًا بأمره ودعوته، وكذَّب رسولَه وأعرضَ عن متابعته، وحادَ عن شريعته، ورَغِبَ عن ملَّتِه واتَّبع غير سُنَّتِه، ولم يستمسك٣ بعهده، ومكَّن الجهلَ من نفسه، والهوى والعنادَ من قلبِه، والجحودَ والكفرَ مِنْ صَدْرهِ، والعصيانَ والمخالفةَ مِنْ جوارحه، فقد قابل خبر الله بالتكذيب، وأمْرَهُ بالعصيان، ونهيَه بالارتكاب، يَغْضَبُ الربُّ وهو راضٍ، ويرضى وهو غضبان، يحبُّ ما يبغض، ويبغض ما يحبُّ، ويوالي من يعاديه، ويعادي من
(١) في هامش "ب": "العذاب".
(٢) زيادة في "غ، وب".
(٣) في "ج": "يتمسك".
يواليه١، يدعو إلى خلاف ما يرضى، وينهى عبدًا إذا صلَّى، قد اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَأَضَلهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ فأصمَّه وأبكمه وأعماه، فهو ميِّت الدارين، فاقد السَّعادتين، قد رضي بخزي الدنيا وعذاب الآخرة، وباع التجارة الرابحة بالصفقة الخاسرة٢؛ فقَلْبُه عن ربه مصدود٣، وسبيل الوصول إلى جنته ورضاه وقربه عنه مسدود، فهو وليُّ الشيطان وعدوُّ الرَّحمن، وحليف الكفر والفسوق والعصيان.
رضي المسلمون بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدِ رسولًا، ورضي المخذولُ بالصَّليب والوثنِ إلهًا، وبالتَّثليث والكفر دِيْنًا، وبسبيل الضَّلال والغضب سبيلًا. أَعصى النَّاس للخالق الذي لا سعادة له إلا في طاعته، وأَطْوَعُهم للمخلوق الذي ذهاب دنياه وأخراه في طاعته، فإذا سُئِل في قبره: من ربُّك وما دينُك ومن نبيُّك؟ قال: آه، آه، لا أدري. فيقال: لا دَرَيْتَ، ولا تَلَيْتَ، وعلى ذلك حَييْتَ، وعليه متَّ وعليه٤ تُبْعثُ إن شاء الله تعالى. ثم يُضْرَمُ عليه قبرُه ناَرًا، ويضيق عليه كالزُّجِّ في الرُّمح إلى قيام الساعة٥.
(١) في "ص": "يوليه".
(٢) في "ب": "مخاسرة" وفي هامشها: "الخاسرة".
(٣) في "ب": "لصدود". وصححت في الهامش.
(٤) ساقط من "غ".
(٥) إشارة إلى أحاديث نبوية واردة في ذلك، أخرجها البخاري في الجنائز، باب عذاب القبر: ٣/ ٢٣٢، ومسلم في الجنة وصفتها: ٤/ ٢٢٠٠، وأبو داود في السنة، باب المسألة في القبر: ٧/ ١٣٩، والترمذي في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر: ٤/ ١٨١، وغيرهم.