هداية الحيارى

يواليه١، يدعو إلى خلاف ما يرضى، وينهى عبدًا إذا صلَّى، قد اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَأَضَلهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ فأصمَّه وأبكمه وأعماه، فهو ميِّت الدارين، فاقد السَّعادتين، قد رضي بخزي الدنيا وعذاب الآخرة، وباع التجارة الرابحة بالصفقة الخاسرة٢؛ فقَلْبُه عن ربه مصدود٣، وسبيل الوصول إلى جنته ورضاه وقربه عنه مسدود، فهو وليُّ الشيطان وعدوُّ الرَّحمن، وحليف الكفر والفسوق والعصيان.

رضي المسلمون بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدِ رسولًا، ورضي المخذولُ بالصَّليب والوثنِ إلهًا، وبالتَّثليث والكفر دِيْنًا، وبسبيل الضَّلال والغضب سبيلًا. أَعصى النَّاس للخالق الذي لا سعادة له إلا في طاعته، وأَطْوَعُهم للمخلوق الذي ذهاب دنياه وأخراه في طاعته، فإذا سُئِل في قبره: من ربُّك وما دينُك ومن نبيُّك؟ قال: آه، آه، لا أدري. فيقال: لا دَرَيْتَ، ولا تَلَيْتَ، وعلى ذلك حَييْتَ، وعليه متَّ وعليه٤ تُبْعثُ إن شاء الله تعالى. ثم يُضْرَمُ عليه قبرُه ناَرًا، ويضيق عليه كالزُّجِّ في الرُّمح إلى قيام الساعة٥.

  1. (١) في "ص": "يوليه".
  2. (٢) في "ب": "مخاسرة" وفي هامشها: "الخاسرة".
  3. (٣) في "ب": "لصدود". وصححت في الهامش.
  4. (٤) ساقط من "غ".
  5. (٥) إشارة إلى أحاديث نبوية واردة في ذلك، أخرجها البخاري في الجنائز، باب عذاب القبر: ٣/ ٢٣٢، ومسلم في الجنة وصفتها: ٤/ ٢٢٠٠، وأبو داود في السنة، باب المسألة في القبر: ٧/ ١٣٩، والترمذي في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر: ٤/ ١٨١، وغيرهم.
13

فإذا بعثر١ ما في القبور وحُصِّل ما في الصُّدور٢، وقام الناس لربِّ العالمين، ونادى المنادي: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩].

ثم رفع لكل عابد (معبوده الذي كان)٣ يعبده ويهواه، وقال الربُّ تعالى وقد أنصت له الخلائق: أليس عدلًا مني أن أولِّي كلَّ إنسان منكم ما كان في الدنيا يتولاه؟ = فهناك يعلم المشرك حقيقة ما كان عليه، ويتبين٤ له سوء منقلبه وما صار إليه، ويعلم الكفار أنهم لم يكونوا أولياءه، إنْ أولياؤه إلا المتقون ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].

فصل

ولما بعث الله محمدًا ﷺ كان أهل الأرض صنفين: أَهْلُ كتابٍ٥، وزنادقة٦ لا كتاب لهم، وكان أهلُ الكتاب أفضلَ الصِّنْفَيْن، وهم نوعان: مغضوبٌ عليهم وضالُّون.

  1. (١) في "ج، ب": "بعث".
  2. (٢) في "ج، ب" زيادة: "وإن ربهم بهم يومئذ لخبير".
  3. (٣) في "ج، ب": "ما كان .. ".
  4. (٤) في "غ": "ويبين".
  5. (٥) في "ب، غ، ج": "الكتاب".
  6. (٦) في "غ": "زنادق". وأصل الزندقة هو القول بأزلية العالم. وأطلقت على الزرادشتية والمانوية وغيرهم من الثنوية، ثم أطلقت على كل شاكٍّ أو ضال أو ملحد. والزنديق أيضًا: الذي لا يؤمن بالآخرة ولا بوحدانية الخالق. انظر: "لسان العرب": ١/ ١٤٧، "المصباح المنير": ١/ ٢٥٦.
14

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي