فإذا بعثر١ ما في القبور وحُصِّل ما في الصُّدور٢، وقام الناس لربِّ العالمين، ونادى المنادي: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾[يس: ٥٩].
ثم رفع لكل عابد (معبوده الذي كان)٣ يعبده ويهواه، وقال الربُّ تعالى وقد أنصت له الخلائق: أليس عدلًا مني أن أولِّي كلَّ إنسان منكم ما كان في الدنيا يتولاه؟ = فهناك يعلم المشرك حقيقة ما كان عليه، ويتبين٤ له سوء منقلبه وما صار إليه، ويعلم الكفار أنهم لم يكونوا أولياءه، إنْ أولياؤه إلا المتقون ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التوبة: ١٠٥].
فصل
ولما بعث الله محمدًا ﷺ كان أهل الأرض صنفين: أَهْلُ كتابٍ٥، وزنادقة٦ لا كتاب لهم، وكان أهلُ الكتاب أفضلَ الصِّنْفَيْن، وهم نوعان: مغضوبٌ عليهم وضالُّون.
(١) في "ج، ب": "بعث".
(٢) في "ج، ب" زيادة: "وإن ربهم بهم يومئذ لخبير".
(٣) في "ج، ب": "ما كان .. ".
(٤) في "غ": "ويبين".
(٥) في "ب، غ، ج": "الكتاب".
(٦) في "غ": "زنادق". وأصل الزندقة هو القول بأزلية العالم. وأطلقت على الزرادشتية والمانوية وغيرهم من الثنوية، ثم أطلقت على كل شاكٍّ أو ضال أو ملحد. والزنديق أيضًا: الذي لا يؤمن بالآخرة ولا بوحدانية الخالق. انظر: "لسان العرب": ١/ ١٤٧، "المصباح المنير": ١/ ٢٥٦.
فالصنف الأول: الأمة١ الغضبيَّة، هم "اليهود"، أهلُ الكذب والبَهْتِ والغَدْر والمَكْر والحِيَل، قَتَلَةُ الأنبياءِ وأَكَلَةُ السُّحْت -وهو الربا والرِّشا- أخبثُ الأمم طويَّةً، وأرداهم سجيَّةً، وأَبْعَدُهُمْ مِنَ الرحمة، وأقربُهم من النِّقمة٢، عادتُهم البغضاء، ودَيْدَنُهم٣ العداوةُ والشحناء، بيت السِّحْر والكذب والحِيَل، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياءَ حرمةً، ولا يَرْقُبون في مؤمن إلًّا ولا ذِمَّةً. ولا لمن وافقهم عندهم حقٌّ ولا شفقةٌ، (ولا لمن شاركهم عندهم عدلٌ ولا نَصَفَة)٤ ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمَنَة، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة. بل أخبثهم أعقلهم، وأحذقهم أغشُّهم، وسليم الناصية٥ -وحاشاه أن يوجد بينهم- ليس بيهوديٍّ على الحقيقة، أضيق الخلق صدورًا، وأظلمهم بيوتًا، وأنتنهم أفنيةً، وأوحشهم سجيةً٦، تحيَّتُهم لعنةٌ ولقاؤهم طِيَرَةٌ، شِعَارُهُم الغَضَبُ ودِثَارُهُم المَقْتُ.
فصل
والصنف الثاني المثلِّثة: أمةُ الضَّلال وعُبَّاد الصَّليب، الذين سَبُّوا الله الخالق مَسَبَّةً ما سَبَّهُ إيَّاها أحدٌ من البشر، ولم يُقِرُّوا بأنَّه الواحدُ الأحَدُ الفرد الصَّمَدُ، الذي لم يلد ولم يُوْلَدْ ولم يكن له كُفُوًا أحد، ولم يجعلوه
(١) في "ب، ج، غ": "فالأمة" وليس فيها: "فالصنف الأول".