وأما زنادقة الصَّابئَةِ ومَلَاحِدَةُ الفلاسفة؛ فلا يؤمنون بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولَا لقائه، ولا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، وليس للعالَم عندهم ربٌّ فَعَّال٣ بالاختيار لما يريد قادرٌ على كلِّ شيء، عالمٌ بكلِّ شيء، آمرٌ ناهٍ، مُرْسِلُ الرُّسل، ومنزل الكتب، ومثيب المحسن، ومعاقب المسيء، وليس عند نظارهم إِلا تسعة أفلاك، وعشرة عقول، وأربعة أركان، وسلسلة ترتبت فيها الموجودات، هي بسلسلة المجانين أشْبَهُ منها بمجوزات العقول.
وبالجملة: فدينُ الحنيفيَّة -الذي لا دين لله غيره بين هذه الأديان الباطلة التي لا دين في الأرض غيرها- أخفى من السُّهَا٤ تحت السَّحاب.
وقد نظر الله إلى أهل الأرض فَمَقَتَهُمْ عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب٥. فأطْلَعَ اللهُ شمسَ الرسالة في حَنَادِسِ٦ تلك الظُّلَم
(١) في "ب، ص": "يستخرش".
(٢) في "ب، ج": "والعمات".
(٣) تصحفت في "غ" إلى: "فقال".
(٤) كوكب صغير خفي الضوء، يمتحن به الناس أبصارهم.
(٥) جزء من حديث أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها برقم (٢٨٦٥): ٤/ ٢١٩٧ - ٢١٩٨.
سراجًا منيرًا، وأنْعَمَ بها على أهل الأرض نعمةً لا يستطيعون لها شُكورًا، وأشرقتِ الأرضُ بنورها أكْمَلَ الإشراق، وفاض ذلك النور١ حتى عمَّ النواحيَ والآفاق، واتَّسَقَ قمر الهدى أتَمَّ الاتِّساق، وقام دين الله الحنيفُ٢ على ساق.
فلله الحمدُ الذي أنقذَنَا بمحمَّدِ ﷺ من تلك الظُّلمات، وفتح لنا به باب الهدى فلا يُغْلَق إلى يوم الميقات، وأرانا في نوره أهْلَ الضلال وهم في ضلالهم يتخبَّطون، وفي سكرتهم يَعْمَهُونَ وفي جهالتهم يتقلَّبون، وفي رَيْبِهم يتردَّدُون، يؤمنون: (ولكن بالجبت والطاغوت يؤمنون)٣، ويعدلون: ولكن بربِّهم يعدلون، ويعلمونَ، ولكن: ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، ويسجدون، ولكن للصَّليب والوثن والشمس٤ يسجدون، ويمكرون وما يمكرون إلَّا بأنفسهم وما يشعرون.