هداية الحيارى

سراجًا منيرًا، وأنْعَمَ بها على أهل الأرض نعمةً لا يستطيعون لها شُكورًا، وأشرقتِ الأرضُ بنورها أكْمَلَ الإشراق، وفاض ذلك النور١ حتى عمَّ النواحيَ والآفاق، واتَّسَقَ قمر الهدى أتَمَّ الاتِّساق، وقام دين الله الحنيفُ٢ على ساق.

فلله الحمدُ الذي أنقذَنَا بمحمَّدِ ﷺ من تلك الظُّلمات، وفتح لنا به باب الهدى فلا يُغْلَق إلى يوم الميقات، وأرانا في نوره أهْلَ الضلال وهم في ضلالهم يتخبَّطون، وفي سكرتهم يَعْمَهُونَ وفي جهالتهم يتقلَّبون، وفي رَيْبِهم يتردَّدُون، يؤمنون: (ولكن بالجبت والطاغوت يؤمنون)٣، ويعدلون: ولكن بربِّهم يعدلون، ويعلمونَ، ولكن: ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، ويسجدون، ولكن للصَّليب والوثن والشمس٤ يسجدون، ويمكرون وما يمكرون إلَّا بأنفسهم وما يشعرون.

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١].

  1. = ثلاث ليالٍ مظلمة من آخر كل شهر.
  2. (١) ساقط من "ب، غ".
  3. (٢) في "غ": "الخفيف".
  4. (٣) ما بين القوسين ساقط من "غ".
  5. (٤) في "ص، ج": "للشمس".
18

والحمد لله الذي أغنانا بشريعتهِ التي تدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة، وتتضمن الأمْرَ بالعدل والإحسان، والنهيَ عن الفحشاء والمنكر والبغي، فله المِنَّةُ والفضل على ما أنعم به علينا وآثَرَنا به على سائر الأمم، وإليه الرغبة أن يُوزِعَنَا شُكْرَ هذه النعمة، وأنْ يفتحَ لنا أبواب التَّوبةِ والمغفرةِ والرَّحمة.

فأحبُّ الوسائل إلى المحسن١ التوسُّلُ إليه بإحسانه، والاعترافُ له بأنَّ الأمر كلَّه محضُ فضلِه وامتنانهِ.

فله علينا النِّعمة السَّابغةُ٢ كما له علينا الحُجَّةُ البالغة، نبوءُ بنعَمِهِ علينا، ونبوء بذنوبنا وخطايانا وجَهْلِنا وظُلْمِنا وإسْرَافِنا في أمرنا؛ فهذه بضاعتنا التي لدينا، لم تُبْقِ٣ لنا نِعَمُه وحقوقُها وذنُوبنا حسنة (نرجو بها)٤ الفوزَ بالثَّواب والتخلُّصَ من أليم العقاب. بل بعض ذلك يستنفِدُ٥ جميع حسناتنا، ويستوعبُ كلَّ طاعتنا٦. هذا لو خلصت من الشوائب، وكانت خالصةً لوجهه، واقعةً على وَفْقِ أمره٧، وما هو والله إلا التعلُّقُ بأذيال عفوه وحُسْنُ الظنِّ به، واللجوء٨ منه إليه، والاستعاذةُ

  1. (١) في "غ"، "أتى الحَسَن".
  2. (٢) في "غ": "السابقة".
  3. (٣) في "ب، ص": "يبق".
  4. (٤) في "ب، ص": "يزكو لها".
  5. (٥) في "ب": "يستنقذ" ثم صححت بالهامش.
  6. (٦) في "ج، ص": "طاعاتنا".
  7. (٧) في "ب": "مراده" تصحيحًا بين السطرين.
  8. (٨) في "ب، غ، ج": "اللَّجأ .. ".
19

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي