هداية الحيارى

أوَّلَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله" وذكر الحديث١. ثم دخلوا في الإسلام من غير رغبة ولا رهبة.

وكذلك مَنْ أسلم من يهود المدينة، وهم جماعة كثيرون غير عبد الله (بن سلام)٢ مذكورون في كتب السِّيَر والمغازي؛ لم يُسْلِموا رغبةً في الدنيا، ولا رهبةً من السيف، بل أسلموا في حال حاجة المسلمين وكثرة أعدائهم ومحاربة أهل الأرض لهم من غير سَوْطٍ ولا نَوْطٍ٣؛ بل تحملوا معاداة أقربائهم وحرمانهم نفعهم بالمال والبدن مع ضعف٤ شوكة المسلمين وقلة٥ ذات أيديهم، فكان أحدهم يعادي أباه وأمه وأهل بيته وعشيرته، ويخرج من الدنيا رغبة في الإسلام٦ لا لرياسة ولا مال، بل ينخلع من الرياسة والمال ويتحمل أذى الكفار؛ مِنْ ضربهم وشتمهم وصنوف أذاهم، ولا يصرفه ذلك عن دينه.

فإنْ كان كثير من الأحبار والرُّهْبَان والقِسِّيسِينَ ومَنْ ذكره هذا السائل قد اختاروا الكفر = فقد أسلم جمهور أهل الأَرض من فِرَقِ الكفَّار ولم يَبْقَ إلا الأقلُّ بالنسبة إلى من أسلم.

  1. (١) قطعة من حديث أخرجه البخاري في المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن: (٨/ ٦٤)، ومسلم في الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين برقم (١٠٩): (١/ ٤٣٩).
  2. (٢) ساقط من "غ".
  3. (٣) من غير ضربٍ لهم ولا تعليق.
  4. (٤) ساقط من "ب، غ".
  5. (٥) في "ج": "مع قلة".
  6. (٦) في "ب، ج": "دين الإسلام".
31

فهؤلاء نصارى الشام كانوا ملء١ الشام ثم صاروا مسلمين إلا النادر، فصاروا في المسلمين كالشعرة السوداء في الثور الأبيض.

وكذلك المجوس كانت أمةً لا يُحْصِي٢ عدَدَهُمْ إلا الله فأطبقوا على الإسلام لم يتخلَّفْ منهم إلا النادر، وصارت بلادهم بلاد إسلام، وصار مَنْ لم يُسْلِم منهم تحت الجزية والذلة٣.

وكذلك اليهود أسلم أكثرهم ولم يَبْقَ منهم إلا شِرْذِمَةٌ قليلة مقطَّعة في البلاد.

فقول هذا الجاهل؛ (إن هاتين الأمتين لا يحصي عددهم إلا الله كفروا بمحمد ﷺ) = كذبٌ ظاهر وبَهْتٌ مبين، حتى لو كانوا كلُّهم قد أجمعوا على اختيار الكفر لكانوا في ذلك أُسوةَ قومِ نوحٍ، وقد أقام فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله ويريهم من الآيات ما يقيم حجة الله عليهم، وقد أطبقوا على الكفر٤ إلا قليلًا٥ منهم كما قال تعالى:

﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].

وهم كانوا أضعافَ أضعافِ هاتين الأُمتين الكافرتين أهلِ الغضب وأهل الضَّلال.

  1. (١) في "ب، ج": "أهل".
  2. (٢) في "ب": "تحصى".
  3. (٣) ساقط من "ج".
  4. (٤) في "ب": "اختيار الكفر".
  5. (٥) في "غ": "قليل".
32

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي