طلاق الغضبان

﷽

الحمدُ لله الحكيم الكريم، العليِّ العظيم، السميع العليم، الرَّءوفِ الرحيم، الذي أَسْبَغ على عباده النِّعمة، وكتب على نفسه الرحْمة، وَضَمَّنَ الكتابَ الذي كَتَبه أن رحمته تَغْلِبُ غضبه، فهو أرحم بعباده من الوالدةِ بولدها، كما هو أشدُّ فرحًا بتوبة التائب مِنَ الفاقدِ لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المَهْلكة إذا وجدها.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأرحمُ الراحمين، الذي تَعَرَّفَ إلى خلقه بصفاته وأسمائه، وتَحَجَّبَ إليهم بإحسانه وآلائه.

وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الذي خَتَم به النبيين، وأرسله رحمةً للعالمين، وبَعَثه بالحنيفيَّة السَّمحة والدين المُهَيْمِن على كُلِّ دين، فَوَضَع به الآصارَ والأغلالَ، وأغنى بشريعته على طُرقِ المكر والاحتيال، وفَتَح لمن اعتصم بها طريقًا واضحًا ومنهجًا، وجعل لمن تمسَّك بها من كلِّ ما ضاق عليه فرجًا ومخرجًا.

فعند رسول الله ﷺ السَّعَةُ والرحمة، وعند غيره الشِّدة والنقمة، فما جاءه مكروبٌ إلا وَجَد عنده تفريجَ كربَتِه، ولا لهفان إلا وجد عنده إغاثة لَهْفته، فما فَرَّق بين زوجين إلا عن وَطَرٍ واختيار، ولا شتَّتَ شَمْلَ مُحبَّيْنِ إلا على إرادةٍ منهما وإيثار، ولم يُخَرِّبْ ديار المُحِبِّيْنِ بِغَلَطِ اللسان، ولم يُفَرِّقْ بينهم بما جرى عليه من غير قصدِ الإنسان، بل رفع المؤاخذةَ بالكلام الذي لم يَقْصِدْه المتكلِّم بل جرى على لسانه بحكم

3

الخطأ والنسيان، أو الإكراه والسَّبْقِ [على]١ طريق الاتفاق، فقال -فيما رواه عنه أهل السنن من حديث عائشة أم المؤمنين-: "لا طلاق ولا عَتَاق٢ في إغلاق"٣ رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه٤، والحاكم في "صحيحه" وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم

  1. (١) زيادة يقتضيها السياق.
  2. (٢) بفَتح العَين، مصدر "عَتَقَ العبد": خرج عن الرِّق. (القاسمي).
  3. (٣) أَخرجه أحمد (٦/ ٢٧٦)، وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦)، والحاكم (٢/ ١٩٨) وغيرهم.
    وصححه الحاكم على شرط مسلم، فتعقبه الذهبي بأن في إسناده "محمد بن عبيد". ضعَّفه أبو حاتم، ولم يحتجَّ به مسلم.
    قلت: وليس هو بالمشهور، وقد اضطرب في رواية الحديث على وجهين، وأسقطه بعض الرواة فتُوهِّم طريقًا آخر.
    وانطر "علل ابن أبي حاتم" (١/ ٤٣٠، ٤٣٢)، و"شرح مشكل الآثار" للطحاوي (٢/ ١٢٨).
    ووردت له متابعةٌ عند الدارقطني في "السنن" (٤/ ٣٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٧/ ٣٥٧) إلا أن الإسناد إلى المتابع ضعيف.
    ففي تحسين الحديث بهذين الطريقين نظر.
    وانظر: "إرواء الغليل" (٧/ ١١٣ - ١١٤) و"الهداية إلى تخريج أحاديث البداية" (٦/ ١١٢ - ١١٣).
    وعارضه ابن رجب قى "جامع العلوم والحكم" (١/ ٢٧٨) بأثر عائشة الصحيح في اليمين المنعقدة، فقال: "وهذا يدلُّ على أن الحديث المروي عنها مرفوعًا: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" إما أنه غير صحيح، أو أن تفسيره بالغضب غير صحيح … ".
    وانظر لمسلكه هذا: شرحَه على "علل الترمذي" (٢/ ٧٩٦ - ٨٠١).
  4. (٤) بسكون الهاء وصلًا ووقفًا. (القاسمي).
4

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي