فلا كفارة عليه فيها، قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾١ ".
وهذا أحد الأقوال في مذهب مالك، أن لغو اليمين هو اليمين في الغضب٢، وهذا اختيار أَجَلِّ المالكيةِ وأفضلِهم على الإطلاق وهو القاضي إسماعيل بن إسحاق، فإنه ذهب إلى أن الغضبان لا تنعقد يمينه٣.
(١) تتمة كلام ابن جرير: "وعلة من قال هذه المقالة - أي أن اللغو من الأيمان التي يحلف بها صاحبها في حال الغضب على غير عقد قلبٍ ولا عزم - ما حدثني به أحمد بن منصور المروزي قال ثنا عمر بن يونس اليمامي قال ثنا سليمان بن أبي سليمان الزهري عن يحيى بن أبي كثير عن طاووس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يمين في غضب". وأخرجه الدارقطني كما سنذكره. (القاسمي).
(٢) قال صدر الدين في "رحمة الأمة" [(٢٤٣)]: "وقال الشافعي: لغو اليمين ما لم يعقده. وإنما يُتَصَوَّرُ ذلك عنده في قوله: لا والله، وبلى والله، عند المحاورة والغضب واللجاج من غير قصد، سواء كانت على ماضٍ أو مستقبلٍ. وهي رواية عن أحمد". (القاسمي). وانظر لقول القاضي إسماعيل بن إسحاق: "بداية المجتهد" لابن رشد (٣/ ٩٨٣).
(٣) قال المؤلف في "إعلام الموقعين" [(٣/ ٥٢)]: قال الإِمام أحمد في رواية حنبل: الإغلاق هو الغضب، وكذلك فسره أبو داود، وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق أحد أئمة المالكية ومُقَدَّم أهل العراق منهم، وهي عنده من لغو اليمين أيضًا، فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين، وفي يمين الإغلاق، وحكاه شارح أحكام عبد الحق عنه، وهو [ابن] بزيزة الأندلسي، قال: وهذا قول علي [و] ابن مسعود وغيرهما من الصحابة، أن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم، وفي "سنن الدارقطني" بإسنادٍ فيه =
ولا تنافي بين هذا القولِ وبين قولِ ابن عباس وعائشة: "إن: لغو اليمين هو قول الرجل لا والله وبلى والله"١، وقولِ عائشة وغيرها: أيضًا "إنه يمين الرجل على الشيء يعتقده كما حلف عليه، فيتبين بخلافه"٢؛ فإن الجميع من لغو اليمين، والذي فَسَّر لَغوَ اليمين بأنها: يمين الغضب يقول بِأنَّ النوعين الآخرَيْن من اللغو.
وهذا هو الصحيح، فإن الله سبحانه جعل لغو اليمين مقابلًا لِكَسْب القلب، ومعلومٌ أن: الغضبانَ والحالفَ على الشيءِ يظنُّه كما حلف عليه، والقائلُ: لا والله وبلى والله -من غير عَقْدِ اليمين-، لم يَكْسِبْ قلبُه عقد اليمن، ولا قَصَدَها، واللهُ سبحانه قد رفع المؤاخذة بلفظٍ جَرَى على اللسان لم يَكْسِبْه القلبُ ولم يَقْصِدْه، فلا تجوز المؤاخذة بما رفع اللهُ المؤاخذةَ به، بل قد يقال: لغوُ الغضبان أظهرُ من لَغوِ القِسْمَيْن الأخيرَيْن؛ لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
= لِيْنٌ من حديث ابن عباس يرفعه "لا يمين في غضب ولا عتاق فيما لا يملك". وهو إن لم يثبت رفعه فهو قول ابن عباس. وقد فسر الشافعي: "لا طلاق في إغلاق" بالغضب، وفسره به مسروق، فهذا مسروق والشافعي وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل كلهم فسروا الإغلاق بالغضب، وهو من أحسن التفسير، لأن الغضبان قد أغلق عليه باب القصد بشدة غضبه". وله تتمةٌ تفصيلها ما حوته هذه الرسالة الغراء. (القاسمي).
(١) أما قول عائشة: فأخرجه البخارى (٦٦٦٣). وأما قول ابن عباس: فأخرجه ابن جريج (٤/ ٤٢٨)، وسعيد بن منصور (٤/ ١٥٣٤) وغيرهما بإسنادٍ فيه ضعف.
(٢) بمعناه عند البيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٤٩ - ٥٠). وأخرجه هو وابن جرير (٤/ ٤٣٣ - ٤٣٧) عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن وغيرهم.