وفي تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليهم: "اللهم لا تبارك فيه، وَالْعَنْهُ"، فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك، كما يستجاب في الخير، لأهلكهم.
انْتَهَض الغضبُ مانعًا من انعقاد سبب الدعاء الذي تأثيره في الإجابة أسرع من تأثير الأسباب في أحكامها، فإن الله سبحانه يجيب دعاء الصبيِّ، والسفيه، والمُبَرْسَم، ومن لا يَصِحُّ طلاقُه ولا عُقوده، فإذا كان الغضب قد منع كون الدعاء سببًا، لأنَّ الغضبان لم يَقصِدْهُ بقلبه، فإنَّ عاقلًا لا يختار إهلاك نفسه وأهله وذهاب ماله وقَطعَ يده ورجله وغير ذلك بما يدعو به، فاقتضت رحمة العزيز العليم أنْ لا يؤاخذَه بذلك، ولا يُجيب دعاءَه! لأنه عن غيرِ قصدٍ منه، بل الحاملُ له عليه الغضب الذي هو من الشيطان.
فإن قيل: إن هذا ينتقض عليكم بالحديث الذي رواه أبو داود٢
(١) أخرجه ابن جرير (١٥/ ٣٤ - ٣٥).
(٢) [(١٥٣٢)]، ورواه مسلم أيضًا [(٣٠٠٩)] كما في "رياض الصالحين" [(٥١٠)]. (القاسمي).
عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنّه قال: "لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا على أموالكم، ولا تدعوا على خَدَمِكُم؛ لا توافقوا من الله ساعةً لا يُسأَلُ فيها شيئًا إلا أعطاه".
قيل: لا تنافي بين الآية والحديث؛ فإن الآية اقتضت الفَرْقَ بين دعاءِ المُخْتارِ ودعاءِ الغضبان الذي لا يختار ما دعا به، والحديثُ دل على أن لله سبحانه أوقاتًا لا يَرُدُّ فيها داعيًا، ولا يُسْأَلُ فيها شيئا إلَّا أعطاه؛ فنهى الأُمَّةَ أن يدعو أحدهم على نفسه أو أهله أو ماله، خشية أن يوافق تلك الساعة، فَيجَابُ له١.
ولا ريب أن الدعاء بالشرِّ كثيرًا ما يُجابُ، كالدعاء بالخير٢، والإنسان يدعو على غيره ظلمًا وعدوانًا [و] مع ذلك فقد يستجاب له، ولكنّ إجابةَ دعاء الخير من صفة الرحمة، وإجابةَ ضدِّه من صفة الغضب، والرحمةُ تغلب الغضب.
والمقصودُ أن الغضبَ مُؤَثِّرٌ في عدم انعقاد السَّبب في الجملة.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ١١﴾[الإسراء: ١١] وهو الرجل يدعو على نفسه وأهله بالشر في حال الغضب.
(١) انظر: "جامع العلوم والحكم" (١/ ٢٧٦).
(٢) في الأصل: "كثيرًا ما يجاب الدعاء بالخير". ولعل الصواب ما أثبتُّ.