ووجه الاستدلال بالآية أن موسى صلوات الله عليه لم يكن لِيُلْقي ألواحًا كتبها الله تعالى، فيها كلامه، مِنْ على رأسه إلى الأرض، فيكسوها = اختيارًا منه لذلك، ولا كان فيه مصلحةٌ لبني إسرائيل، ولذلك جَرَّة بلحيته ورأسه١، وهو أخوه، وإنما حمله على ذلك الغضب، فَعَذَرهُ اللهُ سبحانه به، ولم يَعْتَبْ عليه بما فعل؛ إذْ كان مصدرُه الغضبَ الخارجَ عن قدرة العبد واختياره، فالمُتَوَلِّدُ عنه غيرُ منسوب إلى اختيارهِ ورضاهُ به. يوضِّحُه:
فعَدَلَ سبحانه عن قوله: "سَكَن" إلى قوله: ﴿سَكَتَ﴾؛ تنزيلًا للغضب منزلة السلطان الآمر الناهي، الذي يقول لصاحبه: افعل، لا تفعل. فهو مستجيب لداعي الغضبِ الناطقِ فيه، المتكلِّم على لسانه،
(١) كذا في الأصل. ولعل الصواب: ولذلك جرَّ هارون بلحيته ورأسه.
فهو أولى بِأَن يُعذرَ من المُكْرَهِ الذي لم يَتسلط عليه غضبٌ يأمُره وينهاه، كما سيأتي تقريره بعد هذا إن شاء الله.
وإذا كان الغضبُ هو الناطق على لسانه، الآمر الناهي له، لم يكن ما جَرى على لسانه في هذه الحال منسوبًا إلى اختياره ورضاه، فلا يتم من عليه أثره١.
الوجه الخامس: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾[الأعراف: ٢٠٠] في ثلاثة مواضع من القرآن٢.
وما يتكلمُ به الغضبان في حال شدة غضبه، مِن طلاقٍ أو شتمٍ ونحوه، هو من نزغات الشيطان، فإنه يُلجئُه إلى أن يقول ما لم يكن مختارًا لقوله، فإذا سُرِّيَ عنه عَلِم أن ذلَك مِنْ إلقاء الشيطان على لسانه، مِمَّا لم يكن بِرَضاهُ واختيارِه.
والغضب من الشيطان، وأثرُه منه، كما في الصحيح أن رجلين اسْتبّا عند النبي ﷺ حتى احْمَرَّ وَجْهُ أحدهما وانتفخت أوداجه، فقال النبي ﷺ: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من
(١) كذا في الأصل. ولعل "مَن" موصولة.
(٢) الموضع الأول في سورة الأعراف: [الآية: ٢٠٠]، والثاني في سورة فصلت [الآية: ٣٦]، والثالث قوله تعالى في سورة المؤمنون ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ٩٨﴾[المؤمنون: ٩٧، ٩٨]. قال ابن كثير في فاتحة تفسيره (١/ ١٣٧): "فهذه ثلاث آيات ليس لهنَّ رابعة في معناها".