طلاق الغضبان

وقال أهل العراق: هو الغضب، وقالت طائفة: هو جَمْعُ الثلاث بكلمة واحدة حكى الأقوال الثلاثة صاحب كتاب "مطالع الأنوار"١.

وكأن الذي فَسَّره بجمع الثلاث أخذه من التغليق، وهو أن المطلِّق غلق طلاقه كما يغلق صاحب الدين ما عليه، وهو مِنْ غلق الباب، فكأنه أغلق على نفسه باب الرحمة بجمعه الثلاث، فلم يجعل له الشارع ذلك، ولم يُملِّكْهُ إيَّاهُ، رحمة به، إنما مَلَّكه طلاقًا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَة بعد الدخول، وحَجَر عليه في وقته، وَوَضْعِه، وقَدْره:

فلم يُملِّكْهُ إياه في وقت الحيض، ولا في وقت طهرٍ جامعها فيه.

ولم يُملِّكْه أن يُبينها بغير عِوَضٍ٢ بعد الدخول، فيكون قد غَيَّر صفة الكلام، وهذا عند الجمهور، فلو قال لها: أنت طالقٌ طلقةً لا رجعة لي فيها، أو طلقة بائنةً = لغى ذلك، وثبت٣ له الرجعة.

  1. (١) (ق/ ٣٧٨ - نسخة دار الكتب).
    وهو "مطالع الأنوار على صحاح الآثار في فتح ما استغلق من كتاب الموطأ ومسلم والبخاريّ" لأبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن قرقول، المتوفى سنة ٥٦٩. وضعه على منوال كتاب شيخه القاضي عياض: "مشارق الأنوار"، واستفاد منه كثيرًا. وفي العلاقة بينهما خلافٌ.
    انظر: "وفيات الأعيان" (١/ ٦٢) و"سير أعلام النبلاء" (٢٠/ ٥٢٠) و"الأجوبة المرضيّة" للسخاوي (٢/ ٧٥٩)، ومقدمة تحقيق "تفسير غريب الموطأ" لابن حبيب (١/ ١١٠).
    وانظر للفظ "الإغلاق" -أيضًا-: "مشارق الأنوار" (٢/ ١٣٤).
  2. (٢) كذا في الأصل. ولم يتبين لي وجهُ الكلمة. والسياقُ والمثالُ الآتى يأبيانها، ويشيران إلى أن المراد: بغير رجعة.
  3. (٣) كذا في الأصل. ولعل الصواب: "وثبتت".
17

وكذلك لم يمَلِّكْهُ جَمع الثلاث في مرة واحدة.

بل حجر عليه في هذا وهذا وهذا، وكان ذلك منْ حُجَّةِ مَنْ لم يُوقع الطلاق المُحرَّم، ولا الثلاث بكلمة واحدة١، لأنه طلاقٌ محجورٌ على صاحبه شرعًا، وحَجْرُ الشارع يَمْنع نفوذ التصرُّف وصِحَّتَه، كما يَمْنَع نفوذ التصرُّف في العقود المالية.

فهذه حُجَّةٌ من أكثر من ثلاثين حجة ذكرها على كلام وقوع الطلاق المحجور على المطلِّقِ فيه.

والمقصود ها هنا أن هؤلاء فسَّروا الإغلاق بجَمع الثلاث؛ لكونه أغلق على نفسه باب الرحمة الذي لم يُغْلِقه اللهُ عليه إلا في المرة الثالثة.

وأما الآخرون فقالوا: الإغلاق مأخوذ من إغلاق الباب، وهو إرتاجُه وإطباقه، فالأمرُ المُغْلَقُ ضدَّ الأمر المُنْفَرِج، والذي أُغلِقَ عليه الأمر ضد الذي فُرِجَ له وفُتِحَ عليه، فالمكْرَهُ٢ الذي أُكْره على أمرٍ إن لم يفعله وإلا حَصَل له من الضرر ما أكره إليه٣ = قد أُغلِقَ عليه بابُ القصد والإرادةِ لِما أُكْرِه عليه، فالإغلاق في حقه بمعنى إغلاق أبوابِ

  1. (١) يرى الواقف على كتاب "زاد المعاد" [(٥/ ٢٤١ - ٢٧١)]، و"إغاثة اللهفان" الكبرى [(١/ ٤٠٦ - ٤٩٦)]، و"إعلام الموقعين" [(٣/ ٣٠ - ٣٧، ٤٨ - ٤٩)] أدلة ذلك وحجَجَها سابغة الذيل، واسعة الأطراف، فمن أراد التوسع فعليه بمراجعتها، وكلها للإمام المؤلّف، مطبوعةٌ بحمده تعالى، متداولة. (القاسمي). وانظر: "التقريب لعلوم ابن القيّم" (٣٢٠).
  2. (٢) مبتدأ خبرُه "قد أغلق عليه" الخ. (القاسمي).
  3. (٣) كذا في الأصل. وفي المطبوعة: "عليه".
18

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي