القصد والإرادة له، فلم يكن قلبه منفتحًا لإرادة القول والفعل الذي أُكْرِه عليه، ولا لاختيارِهما، فليسَ مُطْلَقَ١ الإرادة والاختيار، بحيث إن شاء طَلَّقَ وإن شاء لم يُطَلِّقْ، وإن شاء تكلَّم وإن شاء لم يتكلَّم، بل أُغْلِق عليه بابُ الإرادة إلا لِلَّذي قد أُكْرِهَ عليه.
ولهذا قال النبي ﷺ: "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكنْ لِيَعْزِمْ المسألة؛ فإن الله لا مكْرِه له"٢.
فبيَّن النبي ﷺ أن الله لا يفعل إلا إذا شاء، بخلاف المكرَه الذي يفعل ما لا يشاؤه، فإنه لا يُقال: يَفْعَل ما يشاء، إلا إذَا كان مُطْلَق الدواعي، وهو المختار، فأما من أُلْزِمَ بفعل معيَّن، فلا.
ولهذا يُقال: المكرَه غير مختار. ويُجْعَلُ قَسِيم المختار، لا قِسْمًا منه. ومَنْ سَمَّاهُ مختارًا فإنه يعني أن له إرادة واختيارًا بالقصد الثاني، فإنه يُرِيد الخَلاصَ من الشرّ، ولا خلاص له إلا بفعل ما أُكرِهَ عليه، فصار مريدًا له بالقصد الثاني لا بالقصد الأول.
والغضبانُ الذي يمنعه الغضب من معرفةِ ما يقولُ وقصدِه، فهذا مِنْ أعظم الإغلاق، وهو في هذا الحال بمنزلة المبَرْسَمِ والمجنون والسكران، بل أسوء حالًا من السكران؛ لأن السكران لا يقتل نفسه، ولا يلْقِي ولده من علو، والغضبان يفعل ذلك، وهذا لا يتوجَّه فيه نزاعٌ أنه لا يقع طلاقه، والحديثُ يتناول هذا القسم قطعًا.
(١) خبر "ليس". (القاسمي).
(٢) رواه البخاري [(٥٩٨٠)] عن أبي هريرة. (القاسمي).
وحينئذٍ، فنقول: الغضبُ ثلاثة أقسام١:
أحدها: أن يحصل للإنسان مبادئه وأوائله، بحيث لا يتغيَّر عليه عقله، ولا ذهنه، ويَعْلَمُ ما يقول ويقصده، فهذا لا إشكال في وقوع طلاقه، وعتقهِ، وصحة عقوده، ولا سيما إذا وقع منه ذلك بعد تردُّدِ فِكْره.
القسم الثاني: أن يبلغ به الغضب نهايته، بحيث يَنْغَلِقُ عليه بابُ العلم والإرادة، فلا يعلم ما يقول ولا يريده، فهذا لا يتوجَّهُ خلافٌ في عدم وقوع طلاقه، كما تقدم.
والغضبُ غُولُ العقل٢، فإذا اغتال الغضبُ عقله حتى لم يعلم ما يقول، فلا ريب أنه لا ينفذ شيء من أقواله في هذه الحالة، فإن أقوال
(١) بهذا التقسيم يُرَدُّ على ابن المرابط حيث قال: "الإغلاق حَرَجُ النفس، وليس كل من وقع له فارق عقله، ولو جاز عدمُ وقوع طلاق الغضبان لكان لكل أحدٍ أن يقول فيما جناه: كنت غضبانًا". نقله الحافظ في "فتح الباري" [(٩/ ٣٠١)]. ووجه الرَّدِّ أن الغضب ليس على إطلاقه كما فَهِمَه، والمرءُ يُدَيَّن في ذلك، كما حققه المؤلف في الوجه الحادي عشر، والرابع عشر، ومواضع أخر. (القاسمي). وأصل هذا التقسيم لشيخ الإِسلام ابن تيمية. انظر: "إعلام الموقعين" (٤/ ٥٠) و"زاد المعاد" (٥/ ٢١٥).
(٢) انظر: "إعلام الموقعين" (٢/ ١٧٥)، و(٣/ ٥٣)، و"أقسام القرآن" (٢٦٥). قال ابن السكيت في "إصلاح المنطق" (١٢٤، ٢٧٢): "والغُول: ما اغتال الإنسان وأهلكه، يقال: الغضب غُول الحِلْم". وانظر: "مجمع الأمثال" (٢/ ٦١)، و"المستقصى" (١/ ٣٣٧).