أحدها: ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: "الطلاق عن وَطَرٍ، والعِتْق ما يُبْتَغى به وجه الله"١.
فحَصَر الطلاق فيما كان عن وَطَرٍ، وهو الغرضُ المقصودُ، والغضبان لا وَطَر له.
وهذا في الطلاق عن ابن عباسٍ نظيرُ قولهِ وقولِ أصحابه: لغوُ اليمين أن تحلف وأنت غضبان٢.
(١) قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" [(٩/ ٣٩٣)]: "أي أنه لا ينبغي للرجل أن يطلِّق امرأته إلا عند الحاجة، كالنشوز، بخلاف العتق، فإنه مطلوب دائمًا. والوَطَر -بفتحتين-: الحاجة: قال أهل اللغة: ولا يُبْنَى منها فعل". وقال المؤلف في "إعلام الموقعين" [(٣/ ٥٣)]: "معنى قول ابن عباس: "إنما الطلاق عن وطر" أي: عن غرضٍ من المطلِّق في وقوعه. (قال:) وهذا من كمال فقهه ﵁، وإجابة دعاء الرسول له؛ إذ الألفاظ إنما يترتب عليها موجباتها لقصدِ اللافظ بها، ولهذا لم يؤاخذنا الله باللغو في أيماننا …، وكذلك لا يؤاخذ الله باللغو في أيمان الطلاق، كقول الحالف في عرض كلامه: عَلَيَّ الطلاق لا أفعل، والطلاقُ يلزمني لا أفعل، مِنْ غير قصدٍ لعقد اليمين. بل إذا كان اسم الرب ﷻ لا ينعقد به يمين اللغو، فيمينُ الطلاق أولى ألَّا ينعقد، ولا يكون أعظم حرمةً من الحلف بالله، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، وهو الصواب". (القاسمي).
(٢) تقدم تخريج قول ابن عباسٍ وطاووس (ص: ٨).
الوجه الثاني: أن الزهريَّ روى عن أبان بن عثمان على عثمان أنه رد طلاق السكران١، ولا يُعْرَفُ له مخالفٌ من الصحابة٢.
وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي رجع إليه الإمام أحمد أخيرًا٣. قال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمر فيه بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة، والذي يأمر بالطلاق قد أتى خصلتين: حرَّمَها
(١) أخرجه سعيد بن منصور (١/ ٣١٠)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٠)، والبيهقي في "الكبري" (٧/ ٣٥٩) وغيرهم. وفي سماع الزهريِّ من أبان خلافٌ عند أهل الحديث، وذِكرُ الإمام أبي حاتم الرازي -رحمه الله تعالى- الاتفاق على عدم السماع، كأنه يريد به اتفاقه هو وأبو زرعة الرازي وأصحابهما، فحسْب، كما يُستفاد من كلامه في موضعٍ آخر. وإلا فقد ذهب إلى إثبات السماع جماعة، منهم: الذُّهلي، ودُحَيم، وأبو زرعة الدمشقي، وانتصر له الأخير انتصارًا بالغًا. انظر: "المراسيل" (١٨٩ - ١٩٢)، و"الجرح والتعديل" (٨/ ٧١)، و"تاريخ أبي زرعة الدمشقى" (١/ ٥٠٨ - ٥٠٩). ودلائلُ السماع وعدمه متعارضة، وتحرير ذلك له مقامٌ آخر. لكنَّ التحقيق أن هذا الأثر ليس من رواية الزهريِّ عن أبان مباشرةً، وإنْ أوهم ذلك بعضُ الرواة باختصاره لقصَّة الأثر، وإنّما هو من رواية الزهريّ عن عمر بن عبد العزيز عن أبان، كما هو ظاهرٌ جدًّا من سياق القصّة. وهذا إسنادٌ متصلٌ صحيحٌ باتِّفاق.
(٢) انظر: "الإشراف" لابن المنذر (٤/ ١٩١).
(٣) بعد قوله بالوقوع، كما تفيده رواية الميموني، ثم توقُّفِه، كما في "مسائل ابن هانئ" (١/ ٢٣٠)، و"مسائل أبي داود" (١٧٣)، و"مسائل صالح" (٢٠، ١٤٧ - ١٤٨). وانظر: "الروايتين والوجهين" للقاضي (٢/ ١٥٦ - ١٥٨).