قلَّما يتمكن منه إلا اغتال عقله = فقصَدَ إزالة الغضبِ وإطفاء ناره، وهذا مقصودٌ صحيحٌ في نفسه، لكنْ لما غاب عنه عَقلُه قَصَد إزالة ذلك - ممَّا فيه ضررٌ عليه - ليخفِّفَ عن نفسه ما هو فيه من البلاء، ولولا ذلك لم يفعل ما لا يفعله في الرِّضا، ولا تكَلَّمَ بما لم يكن يتكلم به، فهو قَصَدَ أن يستريح ويَسْكُن ويَبْرُدَ غضبُه بتلك الأقوال والأفعال، وإن لم يدفع ذلك عنه جملته١ تلك الشِّدَّة فإنها تُخَفِّفُ وتُضْعف.
فاقتضت رحمة الشارع به أنْ ألغى أقوالَه في هذه الحال؛ إذْ يُمْكِنُ٢ أن لا يترتَّب عليها أثرها، وتكون كأقوال المُبَرْسَم، والمجنون الهاجِر٣، ونحوهما، وأما الأفعال فلا يُمْكِن إلغاء أثرها؛ فرَتَّبَ عليه مُوجَب فعله.
فإن قيل: فيلزمكم على هذا أنه لو حلف في هذه الحال أن لا تنعقد يمينه.
قيل: قد قال بذلك جماعة من السلف والخلف، واختاره من لا يُرتابُ في إمامته وجلالته، وكان يُقْرَنُ بالأئمة الكبار: إسماعيل بن إسحاق القاضي٤.
فإن قيل: لكنَّ المنقول عن الصحابة وجمهور التابعين والأئمة
(١) كذا في الأصل. ولعلها: بجملته.
(٢) في الأصل: أن تمكن. ولعل الصواب ما أثبت. وانظر ما يأتي (ص: ٤١).
(٣) أي: المتكلم بالهُجْر -بالضم- وهو القبيح من الكلام. (القاسمي).
(٤) انظر ما تقدم (ص: ٩).
الأربعة اعتبار نذر اللَّجاج والغضب، وإن تنازعوا في مُوجَبه، فأوجب مالك وأهل العراق الوفاءَ به كنذر التبرُّرِ، وخَيَّرَ الليث بن سعد والشافعيُّ وأحمد بن حنبل بين فعلِه وبين كفارة اليمين، ولم يقل أحدٌ منهم: إنه لا ينعقد، وإنه لغو١. وقد ذكر الله تعالى الكفارة في الأيْمان كلِّها ولم يُحَصِّلْ٢ منها يمين الغضب دون يمين الرضا.
قيل: نعم، هدا حقٌّ، ولكن اليمين لما قَصَد صاحبُها الحَضَّ أو المَنْعَ كانت الكفارةُ رافعةً لما حصل بها من الضرر، بخلاف الطلاق والعتاق فإنهما إتلافٌ مَحْضٌ لِمُلْكِ البُضْعِ والرَّقَبة، ولا كفارة فيهما، فالضرر الحاصل بوقوعهما لا يندفعُ بكفارَةٍ ولا غيرِها، وكما أنه يُفَرَّقُ في الإكراه بين نوعٍ ونوعٍ، فالإكراهُ يُبيحُ الأقوال عندنا وعند الجمهور، وكلُّ قولٍ أُكْرِه عليه بغير حقٍ فإنه باطل، وأبو حنيفة يفرِّقُ بين نوعٍ ونوع٣.
والإكراهُ على الأفعال ثلاثةُ أنواع٤:
نوعٌ لا يُباح بالإكراه، كقتلِ المعصومِ، وإتلافِ أطرافِه.