الأربعة اعتبار نذر اللَّجاج والغضب، وإن تنازعوا في مُوجَبه، فأوجب مالك وأهل العراق الوفاءَ به كنذر التبرُّرِ، وخَيَّرَ الليث بن سعد والشافعيُّ وأحمد بن حنبل بين فعلِه وبين كفارة اليمين، ولم يقل أحدٌ منهم: إنه لا ينعقد، وإنه لغو١. وقد ذكر الله تعالى الكفارة في الأيْمان كلِّها ولم يُحَصِّلْ٢ منها يمين الغضب دون يمين الرضا.
قيل: نعم، هدا حقٌّ، ولكن اليمين لما قَصَد صاحبُها الحَضَّ أو المَنْعَ كانت الكفارةُ رافعةً لما حصل بها من الضرر، بخلاف الطلاق والعتاق فإنهما إتلافٌ مَحْضٌ لِمُلْكِ البُضْعِ والرَّقَبة، ولا كفارة فيهما، فالضرر الحاصل بوقوعهما لا يندفعُ بكفارَةٍ ولا غيرِها، وكما أنه يُفَرَّقُ في الإكراه بين نوعٍ ونوعٍ، فالإكراهُ يُبيحُ الأقوال عندنا وعند الجمهور، وكلُّ قولٍ أُكْرِه عليه بغير حقٍ فإنه باطل، وأبو حنيفة يفرِّقُ بين نوعٍ ونوع٣.
والإكراهُ على الأفعال ثلاثةُ أنواع٤:
نوعٌ لا يُباح بالإكراه، كقتلِ المعصومِ، وإتلافِ أطرافِه.
(٣) انظر: كتاب الإكراه من "المبسوط" (٢٤/ ٣٨ - ١٥٦)، و"بدائع الصنائع" (٦/ ١٨٤ - ٢٠٨).
(٤) انظر: "التقريب لعلوم ابن القيم" (٦١).
ونوعٌ مختلفٌ فيه، كالزنا، والشُّربِ١، والسرقة، وفيه روايتان عن الإمام أحمد٢.
فما أمكن تلافيه أُبِيح بالإكراه، كالأقوال والأموال، وما كان ضرره كضرر الإكراه لم يُبَحْ به، كالقتل؛ فإنه ليس قتلُ المعصوم يحياةِ المكرَه أولى من العكس.
وأما الأفعال: فالقرآن يدل على رفع الإثم فيها، كقوله تعالي: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣٣﴾[النور: ٣٣]٣.
(١) شرب الخمر.
(٢) انظر: "الفروع" (٦/ ٧٥، ٩٩ - ١٠٠).
(٣) روى ابن جرير [(١٩/ ١٧٥ - ١٧٦)]، عن ابن عباس في الآية قال: "كانوا في الجاهلية يُكرِهون إماءهم على الزنا، يأحذون أجورهن، فقال الله: لا تكرهوهن على الزنا من أجل المنالة في الدنيا، ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣٣﴾ لهن، يعني إذا أُكْرِهْنَ". وعن مجاهد قال: "كانوا يأمرون ولائدهم يُبَاغِينَ، يفعلن ذلك فيُصِبنَ، فيأتينَهم بكسبهن، فكانت لعبد الله بن أبيّ بن سلول جارية، فكانت تُباغِي، فكرهت وحلفت أن لا تفعله، فأكرهها أهلها، فانطلقت فباغت بِبُرْدٍ أخضرٍ فأتتهم به، فأنزل الله ﵎ هذه الآية". وقولُه تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ليس لتخصيص النهي به وإخراج ما عداه، بل لخروجه مخرج الأغلب، أو مخرج المبالغة في الزجر والتنبيهِ على أن المولى أحقُّ بإرادته، أو لعدم شرط التكليف إذا تخلف؛ لأنهن إذا لم يُرِدْن التحصُّن لم يَكْرَهْنَ البغاء، فلا يمكن الإكراه عليه. أفاده الفناري في "فصول البدائع". وإيثارُ كلمة "إنْ" على "إذا" للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند: =