طلاق الغضبان

ونوعٌ مختلفٌ فيه، كالزنا، والشُّربِ١، والسرقة، وفيه روايتان عن الإمام أحمد٢.

فما أمكن تلافيه أُبِيح بالإكراه، كالأقوال والأموال، وما كان ضرره كضرر الإكراه لم يُبَحْ به، كالقتل؛ فإنه ليس قتلُ المعصوم يحياةِ المكرَه أولى من العكس.

وأما الأفعال: فالقرآن يدل على رفع الإثم فيها، كقوله تعالي: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣٣﴾ [النور: ٣٣]٣.

  1. (١) شرب الخمر.
  2. (٢) انظر: "الفروع" (٦/ ٧٥، ٩٩ - ١٠٠).
  3. (٣) روى ابن جرير [(١٩/ ١٧٥ - ١٧٦)]، عن ابن عباس في الآية قال: "كانوا في الجاهلية يُكرِهون إماءهم على الزنا، يأحذون أجورهن، فقال الله: لا تكرهوهن على الزنا من أجل المنالة في الدنيا، ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣٣﴾ لهن، يعني إذا أُكْرِهْنَ".
    وعن مجاهد قال: "كانوا يأمرون ولائدهم يُبَاغِينَ، يفعلن ذلك فيُصِبنَ، فيأتينَهم بكسبهن، فكانت لعبد الله بن أبيّ بن سلول جارية، فكانت تُباغِي، فكرهت وحلفت أن لا تفعله، فأكرهها أهلها، فانطلقت فباغت بِبُرْدٍ أخضرٍ فأتتهم به، فأنزل الله ﵎ هذه الآية".
    وقولُه تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ليس لتخصيص النهي به وإخراج ما عداه، بل لخروجه مخرج الأغلب، أو مخرج المبالغة في الزجر والتنبيهِ على أن المولى أحقُّ بإرادته، أو لعدم شرط التكليف إذا تخلف؛ لأنهن إذا لم يُرِدْن التحصُّن لم يَكْرَهْنَ البغاء، فلا يمكن الإكراه عليه. أفاده الفناري في "فصول البدائع".
    وإيثارُ كلمة "إنْ" على "إذا" للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه عند: =
36

الوجه الثامن: أن النبي ﷺ شرع للغضبان أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يتوضأ، وأن يتحوَّل عن حالته؛ فإن كان قائمًا فَلْيَقعُدْ، وإذا كان قاعدًا فليضطجع، قال: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ"١.

وهذا يدل على أنه محمولٌ عليه من غيره، وأن الشيطان يُغْضِبُه لِيَحْمِلَهُ بغضبه على فعل ما يُحبُّه الشيطان، وعلى التكلُّم به. وما يضاف إلى الشيطان مما يكرهه العبد ولا يحبُّه، فلا يؤاخذ به الإنسان، كالوسوسة والنسيان، كما قال فتى موسى لموسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣].

فاللهُ وتعالى لا يؤاخِذ بالوسوسة، ولا بالنسيان؛ إذ هما من أثرِ فِعْلِ الشيطان في القلب، وقد أخبر النبيُّ ﷺ أن الغضب من الشيطان، فيكون أثرهُ مضافًا إليه أيضًا، فلا يُؤَاخَذُ به العبد، كأثر النسيان، فإنه لو حلف أن لا يتكلم بكذا فتكلم به ناسيًا لم يحنث؛ لعدم قصده وإرادته لمخالفة ما عَقَد يمينَه عليه، وإنْ كان قاصدًا للكلام، فإنه لم يقع منه إلا بقصده وإرداته.

وهذه حالُ الغضبان، فإنه لم يقصد حقيقة ما تكلم به وموجَبه، بل جرى على لسانه كما جرى كلام الناسي على لسانه، بل قَصْدُ الناسي

  1. = كون إرادة التحصُّن في حيِّز التردُّد والشك، فكيف إذا كانت محققه الوقوع؟. (القاسمي).
  2. (١) تقدم تخريجه (ص: ١٥).
37

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي