للتكلُّم أظهرُ من قصد الغضبان، ولهذا يقول الناسي: قصدتُ أن أقول كذا وكذا. والغضبانُ يحلف أنه لم يقصد.
الوجه التاسع: أن القُصُودَ في العقود معتبرة في عَقْدِها كلِّها١، والغضبان ليس له قصدٌ معتبر في حل عُقْدَةِ النكاح، كما ليس له قصدٌ في قتلِ نفسه وولده وإتلافِ ماله، فإنه يفعل في الغضب هذا ويقول هذا، فإذا لم يكن له قصدٌ معتبر لم يصحَّ طلاقُه.
فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بالهازل، فإنه يصحُّ طلاقه٢ وإنْ لم يكن له فيه قصد.
قيل: الفرق بينهما أن الهازل قَصَدَ التكلم باللفظ وأراده رضًا واختيارًا منه، لم يُحْمَلْ على التلفُّظ به، وغايتُه أنه لم يُرِدْ حكمَه وموجَبه، وذلك إلى الشارع ليس إليه، فالسببُ الذي إليه قد أتى به اختيارًا وقصدًا، مع علمه به، لم يُحْمَلْ عليه، والسببُ [الذي] إلى
(١) قال المؤلف في "إعلامِ الموقعين" [(٣/ ٥٣ - ٥٤)]: "إيّاك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعُرْفه، فَتَجْنِي عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتُلْزِمَ الحالف والمقرَّ والناذِر والعاقِد ما لم يُلْزِمْهُ الله ورسوله، ففقيه النّفْسِ يقول: ما أردتَ؟، ونِصْف الفقيه: يقول ما قلتَ؟، فاللغوُ في الأقوال نظيرُ الخطأ والنسيان في الأفعال، وقد رفع الله المؤاخذة بهذا وهذا، كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فقال ربهم ﵎: قد فعلت". (القاسمي).
(٢) أي على ما قاله الشافعية والحنفية، وقولٍ في مذهب أحمد، وخالَف غيرُهم كما سيأتي بيانه في الوجه الثامن عشر، فصحة طلاقه ليس مُجْمَعًا عليها. (القاسمي).
المشرِّع١ ليس إليه، فلا يصحُّ اعتبار أحدهما بالآخر، وكيف يُقاس الغضبانُ على المتخذِ آيات الله هُزؤًا؟! وهذا من أفسد القياس.
الوجه العاشر: أن الغضب مرضٌ من الأمراض، وداءٌ من الأدواء، فهو في أمراض القلوب نظيرُ الحُمَّى والوسواس والصَّرعِ في أمراض الأبدان، فالغضبانُ المغلوبُ في غضبه كالمريض والمحمومِ، والمصروعِ المغلوب في مرضه، والمبرسَمِ المغلوب في برسامه.
وهذا قياسٌ صحيح في الغضبان الذي قد اشتد به الغضب حتى لا يَعْلَمُ ما يقول، وأما إذا كان يَعْلَمُ ما يقول، ولكنْ يتكلَّم به حرجًا وضِيْقًا وغَلقًا، لا قصدًا للوقوع، فهو يُشْبِهُ المُبَرْسَمَ والهاجِر مِن الحُمَّى مِنْ وجهٍ، ويشبه المكرَه القاصدَ للتكلم مِنْ وجهٍ، ويشبه المختارَ القاصد للطلاق من وجهٍ، فهو مترددٌ بين هذا وهذا وهذا، ولكنَّ جهة الاختيار والقصدِ فيه ضعيفةٌ، فإنه يعلم من نفسه أنه لم يكن مختارًا لما صَدَر منه مِنْ خراب بيته، وفراق حبيبه، وكونِه يراه في يدِ غيره، فإنْ كان عاقلًا لا يختار هذا إلا لِيَدْفعَ به ما هو أكرهُ إليه منه، أو ليُحَصِّلَ به ما هو أحبُّ إليه، فإذا انتفى هذا وهذا لم يكن مختارًا لذلك.
وهذا أمرٌ يعلمهُ كلُّ إنسانٍ من نفسه، فصار تردُّده بين المريض المغلوب، والمكرهِ والمحمولِ على الطلاق، وأيُّهما كان فإنه لا يَنْفُذُ طلاقُه.
فإن قيل: الفرقُ بينهما أنَّ المريض المغلوب لا يَمْلِكُ نفسه في
(١) في الأصل: والسبب إلى المشرع. والوجهُ ما أثبتّ.