طلاق الغضبان

الحال، والمكرَه وإن مَلَك نفسه لكنَّه لا يملك دفعَ المكروه عنه، وأما الغضبان فإنه يمكنه أن يملك نفسه. كما قال النبيُّ ﷺ: "ليس الشديد بالصُّرعة، ولكنه الذي يَمْلِكُ نفسه عند الغضب"١.

قيل: مِنَ الغضب ما يُمْكِنُ صاحبُه أن يملك نفسه عنده، وهو الغضب في مبادئه، فإذا استحكم وتمكَّن منه لم يَمْلِكْ نفسه عند ذلك، وكذاك الحُزْنُ الحامل على الجَزَع، يُمْكِنُ صاحبُه أن يملك نفسه في أوله، فإذا استحكم وقَهَر لم يملك نفسه، وكذلك الغضب يُمْكِن صاحبُه أن يملك نفسه في أوله، فإذا تمكن واستولى سلطانُه على القلبِ لم يملكْ صاحبُه قلبَه، فهو اختياريٌّ في أوله، اضطراريٌّ في نهايته، كما قال القائل٢:

يا عاذلي والأمرُ في يدههلَّا عَذَلْتَ وفي يدي الأمرُ
  1. (١) رواه الإمام أحمد [(٢/ ٢٣٦)]، والشيخان [البخارى (٥٧٦٣)، ومسلم (٢٦٠٩)] عن أبى هريرة.
    قال ابن الأثير في "النهاية" [(٣/ ٢٣ - ٢٤)]: "الصُّرَعة -بضم الصاد وفتح الراء- المبالِغُ في الصراع، الذي لا يُغْلَب، فنَقَله إلى الذي يَغْلِبُ نفسه عند الغضب ويقهرها، فإنه إذا مَلَكها كان قد قهر أقوى أعدائه وشر خصومة؛ ولذلك قال: أعدى عدوٍّ لك نفسك التي بين جنبيك.
    وهذا من الألفاظ التي نقلها عن وضعها اللغوي لضربٍ من التوسُّع والمجاز، وهو من فصيح الكلام؛ لأنه لمَّا كان الغضبان بحالَةٍ شديدةٍ من الغَيْظ، وقد ثارت عليه شهوة الغضب، فقهرها بحلمه، وصَرَعها بثباتِه، كان كالصُّرَعةَ الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه". (القاسمي).
  2. (٢) لم أقف عليه. وانظر البيت -أيضًا- في "روضة المحبين" (١٨٨)، و"شفاء العليل". (١/ ٤٠٩).
40

وهكذا السكرانُ، سببُ السُّكْرِ مقدورٌ له، يُمْكِنُه فعلُه وتركُه، فإذا أتى بالسبب خَرَج الأمرُ عن يده، ولم يملك نفسه عند السُّكرِ، فإذا كان السكر الذي هو مفَرِّطٌ بتعاطي أسبابه ويَقْدِرُ على ملك نفسه باجتنابها، قَدْ عَذَر الصحابةُ وغيرُهم من الفقهاء صاحبَه إذا طلَّق في هذه الحال، مع كونه غير معذورٍ في تعاطي سببه = فَلأَنْ يُعْذَر سكرانُ الغضبِ الذي لم يُفَرِّطْ -مع شدة سُكْرِه على سُكْرِ الخمر- أولى وأحرى.

الوجه الحادي عشر: وهو أنَّ مِن الناسِ مَنْ إذا لم يُنْفِذْ غضبَه قَتَلَه غَضبُه، ومات أو مرض أو غُشِيَ عليه، كما يُذكَر عن بعض العرب أن رجلًا سبَّهُ، فأراد أن أن يَرُدَّ على السابِّ١، فأمسك جليسٌ له بيده على فمه، ثم رفع يده لما ظَنَّ أن غضبه قد سَكَن، فقال: قتلتني! ردَدْتَ غضبي في جوفي!. ومات من ساعته٢.

فإذا نفذ مثلُ هذا غضبَه بقتلٍ أو ظلمٍ لغيره، لم يُعْذَرْ بذلك، كالسكران، وأما إذا نفذ بقولٍ فإنه يمْكِنُ إهدارُ قولِه، وأنْ لا يَتَرتَّب أثرُه عليه، كما أهدر اللهُ سبحانَه دعاءَه ولم يُرتِّبْ أثره عليه، ولم يستجِبْهُ له.

ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يُجْلَدُ بالقذف في حال الخصومة والغضب، وإنما يُجْلَدُ به إذا أتى به اختيارًا وقصدًا لقذفه٣،

  1. (١) في الأصل: "عن السباب" ولعل الصواب ما أثبت.
  2. (٢) القصه في: "نسب قريش" (١٦٢)، و"التعازي والمراثي" (١٤٣)، وغيرهما.
  3. (٣) لم أقف على من صرَّح به -فيما فتَّشتُ من كتب الفقه-، ويمكن تخريجه على طلاق الغضبان، كما صنع بعضهم في السكران.
    والفقهاءُ يشدِّدون في القذف حال الغضب ما لا يشدّدون في غيره، ولذا ذهب بعضهم إلى الحدِّ بالتعريض بالقذف في حال الخصومة والغضب دون الرضا؛ لأن الغضب قرينةٌ على إرادة وقصد القذف. =
41

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي