بالزنا١، وجعله مانعًا من تكفيرِ مَنْ قال له ولأصحابه: "هل أنتم إلا عبيدٌ لأبي؟! "٢.
وجعل الله سبحانه الغضب مانعًا من إجابة الداعي على نفسه وأهله، وجعل سبحانه الإكراه مانعًا مِنْ كُفرِ المتكلِّم بكلمة الكفر، وجعل الخطأ والنسيان: مانعًا مِن المؤاخذة بالقول والفعل.
وعارضُ الغضب قد يكون أقوى من كثيرٍ من هذه العوارض، فإذا كان الواحدُ من هؤلاء لا يترتَّبُ على كلامه مقتضاهُ لعدم القصد، فالغضبانُ الذي لم يَقْصِدْ ذلك إنْ لم يكن أولى بالعذر منهم لم يكن دُونهم. ويوضِّحه:
الوجه الثالث عشر: أن الطلاق في حال الغضب له ثلاث صور:
إحداها٣: أنْ يَبْلُغَه عن امرأته أمرٌ يشتدُّ غضبُه لأجله، ويظنُّ أنه حقٌّ، فيطلِّقُها لأجله، ثم يتبيَّن أنها بريئةٌ منه، فهذا في وقوع الطلاق به وجهان، أصحُّهما أنه لا يقع طلاقه؛ لأنه إنما طلّقها لهذا السبب
= والاستشهادُ بهذا الحديث سيذكره المؤلف في الوجه الرابع عشر موضحًا. (القاسمي):
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٥) من حديث بريدة ﵁، ولفظه: "فقال: "أشرِبَ خمرًا؟ "، فقام رجل فاستنكهه". ورواية الأمر بالاستنكاه أخرجها البزّار (١٥٦٤ - كشف الأستار)، والطبراني في "الأوسط" (٤٨٤٣)، بإسنادِ الصحيح. وانظر: "تحفة الأشراف" (٢/ ٧٣ - ٧٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٢٥)، ومسلم (١٩٧٩).
(٣) في الأصل: أحدها. وأظنّه من سهو الناسخ.
والعلة، والسببُ كالشرط، فكأنه قال: "إنْ كانت فعلَتْ ذلك فهي طالق"، فإذا لم تَفْعَلْهُ لم يُوجَدْ الشرط.
وقد ذكر المسألة بعينها أبو الوفاء بن عقيل، وذكر الشريف ابن أبي موسى في "إرشاده"١ فيما إذا قال: "أنت طالق أَنْ دخلت الدار" بفتح الهمزة، مِرارًا، وهو يَعْرِفُ العربية، ثم تبيَّن أنها لم تدخل، لم تَطْلُق.
ولا يقال: هو هاهنا قد صرَّح بالتعليل، بخلاف ما إذا لم يصرِّح به، فإن هذا لا تأثير له، فإنه قد أوقع الطلاق لعلةٍ، فإذا انتفت العلة تبيَّنَّا أنه لم يكن مريدًا لوقوعه بدونها، سواء صرَّح بالعلة أو لم يصرِّحْ بها، وغايةُ الأمر أن تكون العلة بمنزلة الشرط، وهو لو قال: "أنت طالق" وقال: "أردت إنْ فَعلَتْ كذا وكذا" دُيِّنَ فيما بينه وبين الله تعالى.
وقد ذكر أصحاب الشافعي وأحمد فيما إذا كاتب عبده على عِوَضٍ فأدَّاهُ إليه، فقال: "أنت حُرٌّ"، ثم تبيَّن أن العِوَض مُسْتَحَقٌّ؛ لم يعتق، مع تصريحه بالحرية، فالطلاقُ أولى بعدم الوقوع في هذه الصورة٢.
الصورة الثانية: أن يكون قد غضب عليها لأمرٍ قد عَلِم وقوعَه منها، فتكلَّم بكلمة الطلاق قاصدًا للطلاق، عالمًا بما يقول، عقوبةً لها على ذلك، فهذا يقع طلاقه، إذْ لو لم يقع هذا الطلاق لم يقع أكثر الطلاق، فإنه غالبًا لا يقع مع الرضا٣.