طلاق الغضبان

اليوم والليلة فيُلحِقُه بالجنون، وبين القصير الذي هو دون ذلك فيُلحِقُه بالنوم١.

وقد يُنكِر كثيرٌ من الناس أن الغضبَ يُزِيل العقل، ويبلغُ بصاحبه إلى هذه الحال، فإنه لا يعرف من الغضب إلا ما يَجدُ من نفسه، وهو لم يَعْلَمْ غضبًا انتهى إلى هذه الحال.

وهذا غلط؛ فإن الناس متفاوتون في الغضب تفاوتًا عظيمًا، فمنه ما هو كالنَّشوة، ومنه ما هو كالسُّكْر، ومنه ما هو كالجُنون، ومنه ما هو سريعُ الحصولِ سريعُ الزوالِ، وعكسُه، ومنه سريعُ الحصول بطيء الزوال، وعكسه، كما قسَّمه النبي ﷺ إلى هذه الأقسام٢.

وقُوى الناس متفاوتةٌ تفاوتًا عظيمًا في مُلك تقواهم عند الغضب، والطمع، والحزن، والخوف، والشهوة، فمنهم من يملك [ذلك]٣ ويتصرَّفُ فيه، ومنهم من يملكُه ذلك ويتصرَّف فيه.

الوجه الخامس عشر: أن الغَضِب٤ الذي قد انغلق عليه القصدُ٥ والرأيُ في الغضب، وقد صار إلى الجنون العارض أقربَ منه

  1. (١) انظر: "الحجة على أهل المدينة" (١/ ١٥٤ - ١٥٥)، و"المبسوط" (١/ ٢١٧).
  2. (٢) ورد ذلك في حديث أبي سعيد الطويل في خطبة النبي ﷺ، وقد تقدم تخريجه (ص: ٣١).
  3. (٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
  4. (٤) كذا ضبطتُها؛ ليستقيم ما في الأصل. ولعلها: الغضبان.
  5. (٥) في الأصل: والقصد. سها الناسخ عن الضرب على الواو.
48

إلى العقل الثابت = أولى بعدم وقوع طلاقه من الهازل المتلفِّظ بالطلاق في حال عقله وإن لم يُرِدْهُ بقلبه.

وقد ألغى طلاقَ الهازل بعضُ الفقهاء، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، حكاها أبو بكر عبد العزيز وغيره١، وبه يقول بعض أصحاب مالك إذا قام دليلُ الهزل، فلم يَلْزَمْهُ عتقٌ ولا نكاحٌ ولا طلاق٢؛ ولا ريب أن الغضبان أولى بعدم وقوع طلاقه من هذا.

الوجه السادس عشر: أن جماعة من أصحابنا لم يشترطوا في المجنون والمُبَرْسَمِ أن لا يكون ذاكرًا لطلاقه، وإن كان ظاهرُ نصِّ أحمد أنه متى ذَكَر الطلاق لَزِمَه؛ فإنه قال في رواية أبي طالبٍ في المجنون يُطَلِّق، فقيل له لمَّا أفاق: إنك طَلَّقْتَ امرأتك، فقال: أنا ذاكر أني طلَّقْتُ ولم يكن عقلي معي = فقال: إذا كان يَذْكرُ أنه طلَّق فقد طَلُقَتْ.

قال أبو محمد المقدسي: "وهذا هو المنقول عن الإمام أحمد فيمن كان جنونُه بذهابِ معرفته بالكلية، وبطلان حواسِّه، فأمَّا من كان جنونه لِنَشافٍ، أو كان مُبَرْسَمًا، فإنَّ ذلك يُسْقِط حكم تصرُّفِه، مع أنَّ معرفته غيرُ ذاهبةٍ بالكلية، فلا يضرُّه ذِكرُ الطلاق إن شاء الله" انتهى

  1. (١) لم أقف على من نقلها. وانظر: "إبطال التحليل" (١٤٤)، و"المغني" (١٠/ ٣٧٢ - ٣٧٣)، و"الإنصاف" (٨/ ٤٦٥).
  2. (٢) انظر: "عقد الجواهر الثمينة" (٢/ ١٧٥)، و"التاج والإكليل" (٤/ ٤٤). وتأمَّلْ: "البيان والتحصيل" (٥/ ١٣٥، ٣٢٣)، و(٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣).
49

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي