عَرَض له قبل ذلك لم يَنْفُذْ، فإنَّ الحاكم يجب أنْ يكون عالمًا عدلًا.
فمن نَفَّذَ حكمَه قال: الغضبُ لا يمنعُه العلمَ والعدلَ، فقد حَكَم النبيُّ ﷺ للزبير في شِراج الحَرَّة وهو غضبان١. ومن لم يُنَفِّذْ حكمَه قال: الغضبُ يمنعه كمال المقصود، وحسنَ القصد، فيمنعه العلم والعدل، ولا يصحُّ القياس على النبي ﷺ، فإنه معصومٌ في غضبه ورضاه، فكان إذا غضب لم يقل إلا حقًّا كما كان في رضاه كذلك٢.
ومن فَرَّق قال: إذا عَلِم الحق قَبْلَ الغضب لم يَمْنَعْهُ الغضبُ من العلم، وحينئذٍ فيُمْكِنه أن ينفِّذ الحق الذي عَلِمَه، وإذا غضب قبل الفهم لم يَنْفذْ حكمُه، لإمْكان أن يَحُول الغضبُ بينه وبين الفهم. وهؤلاء يحتجُّون بقضية الزبير، وأن النبيَّ ﷺ إنما عَرَضَ له الغضبُ بعد فهْمِ الحُكومة.
والمقصود أن الغضب إذا أثَّر عند هؤلاء في بطلان الحكم، عُلِمَ أن كلام الغضبان غيرُ كلام الراضي المختار، وأنَّ للغضب تأثيرًا في ذلك.
الوجه الحادي والعشرون: أن وقوعَ الطلاق حكمٌ شرعيٌّ،
(١) أخرجه البخاري (٢٢٣١)، ومسلم (٢٣٥٧) من حديث عبد الله بن الزبير ﵄.
(٢) وفي ذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵄ في كتابة الحديث. أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٧)، وأبو داود (٣٦٤٦) وغيرهما. وصححه ابن خزيمة (٢٢٨٠). وانظر: "العلل" لأحمد (١/ ٢٤٤ - رواية عبد الله)، و"تقييد العلم" للخطيب (٧٤ - ٨٢).
فيَسْتَدْعِي دليلًا شرعيًّا، والدليلُ إما كتابٌ، أو سنةٌ، أو إجماعٌ، أو قياسٌ يستوي فيه حكم الأصل والفرع، وليس شيءٌ منها موجودًا في مسألتنا.
الوجه الثاني والعشرون: أن نكاح هذا مثبتٌ بالإجماع، فلا يزول إلا بإجماعٍ مثلهِ. وإن شئت قلتَ: نكاحُه قبل صُدورِ هذا اللفظ منه ثابتٌ بإجماعٍ، والأصلُ بقاؤه حتى يَثْبُتَ ما يرفعُه.
الوجه الثالث والعشرون: أن جمهور العلماء يقولون: إن طلاق الصبيِّ المميِّزِ العاقلِ لا يَنْفُذُ ولا يَصِحُّ. هذا قولٌ أبي حنيفة١، ومالك٢، والشافعي٣، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد اختارها الشيخ أبو محمد٤، وهو قول إسحاق٥.
مع كونه عارفًا باللفظ وموجبه بكلماتِه اختيارًا وقصدًا، وله قصدٌ
(٥) انظر: "الإشراف" لابن المنذر (٤/ ١٩٠)، و"مسائل إسحاق بن منصور الكوسج لأحمد وإسحاق" (رقم ٩٥٩، ١٣٣٠). وفي ظاهر المنقول عن إسحاق تعارضٌ، وليس كذلك عند التأمُّل.