وأجابته هَمْدان، فدفَع إلى مالك بن مرثد بن جُشَم: يعوق، فكان بقرية يقال لها: خَيْوان، فعبده هَمْدان ومن والاها من اليمن.
وأجابت حِمْيَر، فدفع إلى رجل من ذي رُعَين يقال له مَعْدِي كَرِبَ: نسرًا، فكان بموضع من أرض سبأ يقال له: بَلْخَع، تعبده حمير ومن والاها، فلم يزل يعبدونه حتى هَوّدهم ذو نُواس.
فلم تزل هذه الأصنام تُعبَد، حتى بعث الله النبي ﷺ، فهدمها وكسرها١.
قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في «صحيحه»٢ عن ابن عباس، قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ: أما وَدّ فكانت لكَلْبٍ بدُومة الجَنْدَل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكان لمراد، ثم لبني غُطيف بالجُرف عند سبأ، وأما يَعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيرَ لآل ذي الكلاع، قال: وهؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح، وذكر ما تقدم.
وفى «صحيح البخاري»٣ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله [١٤٠ أ]ﷺ: «رأيتُ عمرو بن عامر الخُزاعيّ يَجُرّ قُصْبَهُ في النار، وكان أولَ مَنْ سَيَّبَ السوائب». وفى لفظٍ: «وَغَيّر دينَ إبراهيم».
(١) إلى هنا انتهى كلام الكلبي في كتاب الأصنام (ص ٥٨).
(٢) برقم (٤٩٢٠).
(٣) برقم (٢٥٢٢، ٤٦٢٣).
وقال ابن إسحاق١: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمي، أن أبا صالح السمّان حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثَمَ بن الجَوْنِ الخُزَاعِيّ: «يا أكثم! رأيت عَمرو بن لُحيِّ بن قَمْعَة بن خِنْدَف يَجُرّ قُصْبَه في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به، ولا به منك»، فقال أكثمُ: عسى أن يَضُرّني شَبهُه يا رسول الله؟ قال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أولَ مَنْ غَيّر دين إسماعيل، فنصبَ الأوثانَ، وبَحّر البحيرة، وسَيّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي».
قال ابن هشام٢: وحدثني بعض أهل العلم: أن عمرو بن لُحَيٍّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآبَ من أرض البَلْقاء، وبها يومئذٍ العماليقُ، وهم وَلَدُ عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي تعبدون؟ فقالوا: نَستمطر بها فتُمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال: أفلا تُعطوني منها صنمًا، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنمًا يقال له: هُبَلُ، فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.
(١) السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٠١ - ٢٠٢)، ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن أبي عاصم في الأوائل (٨٣)، والبزار (٨٩٩١)، والطبري في تفسيره (١٢٨٢٠، ١٢٨٢٧)، وأبو عروبة في الأوائل (٢٩)، وحسن إسناده سليمان آل الشيخ في التيسير (ص ٢٦٨)، والألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٢٤٣). ورواه أبو يعلى (٦١٢١) والطبري (١٢٨٢٢) والدارقطني في المؤتلف والمختلف (١/ ١٢٦) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وصححه ابن حبان (٧٤٩٠)، والحاكم (٨٧٨٩)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٢٤٣). وفي الباب عن أبي بن كعب وجابر وابن مسعود وابن عباس.