إغاثة اللهفان

فأبى المشركون إلا خلافَه في ذلك كله، إما جهلًا، وإما عنادًا لأهل التوحيد، ولم يضرّهم ذلك شيئًا، وهذا السبب هو الغالبُ على عوامِّ المشركين.

وأما خواصّهم: فإنهم اتخذوها بزعمهم على صُور الكواكِب المؤثِّرة في العالم عندهم، وجعلوا لها بيوتًا، وسَدَنَةً، وحُجّابًا، وحَجًّا، وقُربانًا، ولم تزل هذه في الدنيا قديمًا وحديثًا.

فمنها: بيتٌ على رأس جبل بأصبهان، كان به أصنام، أخرجها بعض ملوك المجوس، وجعله بيت نارٍ.

ومنها: بيتٌ ثانٍ وثالثٌ ورابعٌ بصنعاء، بناه بعض المشركين على اسم الزهرة، فخرَّبه عثمان بن عفان١ رضي الله تعالى عنه.

ومنها: بيت بناه قابوس الملك على اسم الشمس بمدينة فَرْغَانَة، فخرَّبَهُ المعتصم.

وأشد الأمم في هذا النوع من الشرك: الهند.

قال يحيى بن بِشْر: إن شريعة الهند وضعها لهم رجلٌ يقال له: بَرَهْمَنْ، ووضعَ لهم أصنامًا، وجعل أعظم بيوتها بيتًا بمدينة من مدائن السِّنْدِ، وجعل فيه صنمهم الأعظم، وزَعم أنه بصورة الهَيُولَى الأكبر، وفُتحت هذه المدينة في أيام الحجاج، واسمها المُلْتان، فأراد المسلمون قَلْعَ الصنم، فقيل لهم: إن تركتموه ولم تقلعوه جعلنا لكم ثُلُثَ ما يجتمع له من المال، فأمر

  1. (١) انظر: مروج الذهب للمسعودي (٢/ ٥٣٥)، والملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٣٤)، وتلبيس إبليس (ص ٥٦)، وتفسير الرازي (٢/ ١٠٥)، ومعجم البلدان (٤/ ٢١١).
973

عبد الملك بن مروان بتركه، فالهند تحجُّ إليه من نحو ألفي فرسخ، ولا بدَّ لمن يحجه أن يحمل معه من النقد ما يمكنه، من مئةٍ إلى عشرة آلاف، لا يكون أقل من هذا ولا أكثر، فيلقيه في صندوق عظيم هناك، ويطوف بالصنم، فإذا ذهبوا ورجعوا إلى بلادهم قُسم ذلك المال، فثلثه للمسلمين، وثلثه لعمارة المدينة وحصونها، وثلثه لسَدَنة الصنم ومصالحه.

وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قومُ إبراهيم ﵇، الذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريقه.

وهو مذهب قديم في العالم، وأهله طوائف شتَّى.

فمنهم عُبّاد الشمس، زعموا أنها مَلَك من الملائكة، لها نفس وعقل، وهى أصلُ نور القمر والكواكب، وتكوُّن الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك، فيستحق التعظيم والسجود والدعاء.

ومن شريعتهم في عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنمًا، بيده جَوْهَر على لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه، وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القُرَى والضِّياع، وله سَدنة وقُوّام وحَجَبة، يأتون البيت ويصلُّون فيه لها ثلاث كَرّات في اليوم، ويأتيه أصحاب العاهات، فيصومون لذلك الصنم ويصلُّون، ويدعونه ويستسقون به، وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها، وإذا غربت، [١٤٢ ب] وإذا توسطت الفَلَك، ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة، لتقع عبادتهم وسجودهم له، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تحرّي الصلاة في هذه الأوقات١، قطعًا لمشابهة الكفار ظاهرًا، وسدًّا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام.

  1. (١) أخرجه البخاري (٣٢٧٢)، ومسلم (٨٢٨) عن ابن عمر. وفي الباب أحاديث أخرى.
974

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي