إغاثة اللهفان

ولمّا عرف١ بعضهم أن هذا لازم له لا محالة استروح إلى دليل الإجماع، وقال: إنما نفينا النقائص والعيوب عنه بالإجماع، وعندهم أن الإجماع أدلَّته ظنية لا تفيدُ اليقين، فليس عند القوم يقين وقطعٌ بأن الله سبحانه منزَّه عن النقائص والعيوب.

وأهلُ السنة يقولون: إن تنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائص واجبٌ لذاته، كما أن إثباتَ صفات الكمال والحمد واجب له لذاته، وهو أظهرُ في العقول، والفِطَر، وجميع الكتب الإلهية، وأقوال الرسل من كل شيء.

ومن العَجَب أن هؤلاء جاءوا إلى ما عُلم بالاضطرار أن الرسل جاءوا به، ووصفوا الله سبحانه به، ودلّت عليه العقول والفِطرُ والبراهينُ؛ فنفوه، وقالوا: إثباته يستلزم التجسيم والتشبيه، فلم يثبت لهم قدَم البتة فيما يثبتونه له سبحانه وينفونه عنه، وجاءوا إلى ما عُلم بالاضطرار، والفطر، والعقول، وجميع الكتب الإلهية، مِنْ تنزيه الله سبحانه عن كل نقص وعيب، فقالوا: ليس في أدلة العقل ما ينفيه، وإنما ننفيه بما ننفي به التشبيه.

وليس في الخذلان فوق هذا، بل إثباتُ هذه العيوب والنقائص يُضادّ كماله المقدَّس، وهو سبحانه موصوفٌ بما يُضادُّها ويناقضها من كل وجه، ونفيُها أظهر وأبينُ في العقول من نفي التشبيه، فلا يجوز أن يثبت له على وجه لا يشابه فيه خلقه.

والمقصود أنه لم يكن في الأمم مَنْ مَثّله بخلقه، وجعل المخلوق أصلًا ثم شَبّهه به، وإنما كان التمثيلُ والتشبيهُ في الأمم، حيث شبَّهوا أوثانهم

  1. (١) في م: «اعترف».
980

ومعبودهم به في الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام، فأعرض عنه وعن بيان بطلانه أهل الكلام، وصرفوا العناية إلى إنكار تشبيهه بالخلق الذي لم تُعرف أمةٌ من الأمم عليه، وبالغوا فيه، حتى نفوا به عنه صفات الكمال.

وهذا موضع مهمٌّ نافع جدًّا، به يُعرف الفرق بين ما نَزّه الرب سبحانه نفسه عنه، وذمّ به المشركين المشبِّهين العادلين به خلقه، وبين ما ينفيه الجهمية المعطلة من صفات كماله، ويزعمون أن القرآن دلّ عليه وأُريد به نفيه.

والقرآن مملوءٌ من إبطال أن يكون في المخلوقات [١٤٤ أ] ما يُشبه الرب تعالى أو يماثله، فهذا هو الذي قُصد بالقرآن إبطالًا لما عليه المشركون والمشبهون العادلون بالله تعالى غيره.

قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].

فهؤلاء جعلوا المخلوق مِثْلًا للخالق، فالنِّدُّ: الشّبْهُ، يقال فلان نِدُّ فلان ونديده، أي: مثله وشبهه، ومنه قول حسان بن ثابت١:

أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّفَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِداءُ

ومنه قول النبي ﷺ لمن قال له: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني له نِدًّا؟»٢.

  1. (١) في ديوانه (ص ٧٦) طبعة حنفي حسنين.
  2. (٢) رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٤٠، ٦/ ٧٤) وأحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧) والبخاري في الأدب المفرد (٧٨٣) والنسائي في الكبرى (١٠٨٢٥) وابن ماجه (٢١١٧) وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٤٢) والطحاوي في شرح المشكل (١/ ٢١٨) والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٤٤) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٩) وغيرهم من طرق عن الأجلح الكندي عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس مرفوعا، وقيل: عن الأجلح عن أبي الزبير عن جابر، والأجلح مختلف فيه، وصححه ابن القيم في المدارج (١/ ٣٤٤) وفي الجواب الكافي (ص ٩٣)، وحسنه العراقي في المغني (٣٠٦٦)، وهو في السلسلة الصحيحة (١٣٩). وفي الباب عن جابر بن سمرة وحذيفة وقُتيلة ﵃.
981

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي