ويقولون: إنها أوسع العناصر خيرًا، وأعظمها جِرْمًا، وأوسعها مكانًا، وأشرفها جوهرًا، وألطفها جسمًا، ولا كوْن في العالم إلا بها، ولا نُموَّ ولا انعقادَ إلا بممازجتها.
ومن عبادتهم لها: أن يحفروا لها أُخدودًا مُرَبّعًا في الأرض، ويطوفون به.
وهم أصنافٌ مختلفة:
فمنهم: من يُحرّم إلقاء النفوس فيها، وإحراق الأبدان بها، وهم أكثر المجوس.
وطائفة أخرى منهم مَن تبلغُ بهم عبادتهم لها إلى أن يُقرّبوا أنفسهم وأولادهم لها، وهؤلاء أكثر ملوك الهند [١٤٥ ب] وأتباعهم، ولهم سُنة معروفة في تقريب نفوسهم، وإلقائهم فيها، فيَعمِدُ الرجل الذي يريد أن يفعل ذلك بنفسه أو بولده أو حبيبه، فيُجَمّله ويُلبسه أحسن اللباس، وأفخر الحُليِّ، ويركب أعلى المراكب، وحول المعازف والطبول والبوقات، فيُزَفّ إلى النار أعظم من زفافه ليلة عرسه، حتى إذا ما قابلها ووقف عليها وهى تأجَّجُ
(١) البيت في البيان والتبيين (١/ ١٦) وكامل المبرد (٣/ ١١١١) والأغاني (٣/ ١٤٥) ووفيات الأعيان (١/ ٢٧٣)، وملحقات ديوان بشار (٤/ ٧٨). قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «ولا إخاله صحيح النسبة إليه».
طرحَ نفسه فيها، فضجَّ الحاضرون ضَجّةً واحدةً بالدعاء له، وغِبْطةً على ما فعل، فلم يلبث إلا يسيرًا، حتى يأتيهم الشيطان في صورته وشكله وهيأته، لا ينكرون منه شيئًا، فيأمرهم بأمره، ويوصيهم بما يوصيهم به، ويوصيهم بالتمسُّك بهذا الدين، ويخبرهم أنه صار إلى جَنّة ورياض وأنهار، وأنه لم يتألم بمسّ النار له، فلا يَهولنَّهم ذلك، ولا يمنعنَّهم عن أن يفعلوا مثله.
ومنهم: زُهّاد وعبَّاد، يجلسون حول النار صائمين عاكفين عليها.
ومن سُنّتهم: الحث على الأخلاق الجميلة، كالصدق، والوفاء، وأداء الأمانة، والعفة، والعدل، وترك أضدادها، ولهؤلاء شرائعُ في عبادتها ونواميس وأوضاع لا يُخِلّون بها.
فصل
ومن كَيده وتلاعبه: تلاعبه بطائفة أخرى تَعْبُدُ الماء من دون الله، وتُسَمّى الحلبانية. وتزعم أن الماء لما كان أصل كل شيء، وبه كلُّ ولادة ونموّ ونشوء، وطهارة وعمارة١، وما من عمل في الدنيا إلا ويحتاج إلى الماء، فكان حقه أن يُعبَد.
ومن شريعتهم في عبادته: أن الرجل منهم إذا أراد عبادته تجرَّد، وستر عورته، ثم دخل فيه، حتى يصير إلى وسطه، فيقيم هناك ساعتين، أو أكثر، بقدر ما أمكنه، ويكون معه ما يمكنه أخذه من الرياحين، فيقطعها صغارًا، فيلقيها فيه شيئًا فشيئًا، وهو يُسبّحه ويمجِّده، فإذا أراد الانصراف حرك الماء بيديه، ثم أخذ منه، فيضعه على رأسه ووجهه وجسده، ثم يسجد وينصرف.