إغاثة اللهفان

فصل

ومن تلاعبه: تلاعبُهُ بعبّاد الحيوانات، فطائفة عبدت الخيل، وطائفة عبدت البقر، وطائفة عبدت البشر الأحياء والأموات، وطائفة تعبد الشجر، وطائفة تعبدُ الجن، كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ٤٠ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١].

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ٦٠ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١].

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، يعنى قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم.

قال ابن عباس١، ومجاهد٢، والحسن٣، وغيرهم: أضللتم منهم كثيرًا.

  1. (١) رواه الطبري في تفسيره (١٣٨٨٥) وابن أبي حاتم في تفسيره (٧٨٩٠) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه في الدر المنثور (٣/ ٣٥٧) لابن المنذر وأبي الشيخ.
  2. (٢) رواه الطبري في تفسيره (١٣٨٨٧، ١٣٨٨٨) وابن أبي حاتم في تفسيره (٧٨٩١) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
  3. (٣) رواه الطبري في تفسيره (١٣٨٨٩).
991

فيُجِيبه سبحانه أولياؤهم من الإنس بقولهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، يَعْنُونُ: استمتاع كل نوعٍ بالنّوْع الآخر.

فاستمتاع الجن بالإنس: طاعَتُهم لهم فيما يأمرونهم من الكفر، والفسوق، والعصيان، فإن هذا أكبرُ أغراض الجنّ من الإنس، فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطَوْهُم مُناهُمْ.

واستمتاع الإنس بالجنّ: أنهم أعانوهم على معصية الله تعالى، والشرك به بكل ما يقدرون عليه من التحسين، والتزيين، والدعاء، وقضاء كثير من حوائجهم، واستخدامهم بالسحر والعزائم، وغيرها [١٤٦ أ]، فأطاعَهُم الإنسُ فيما يُرضيهم من الشّرك، والفواحش، والفجور، فأطاعتهُم الجن فيما يُرضيهم من التأثيرات، والإخبار ببعض المغَيَّبات.

فتمتع كلٌّ من الفريقين بالآخر.

وهذه الآية منطبقةٌ على أصحاب الأحوال الشيطانية، الذين لهم كُشوفٌ شيطانية وتأثيرٌ شيطاني، فيحسبهم الجاهلُ أولياء الرحمن، وإنما هُم من أولياء الشيطان، أطاعوه في الإشراك، ومعصية الله، والخروج عمّا بعث به رسله، وأنزل به كتبه، فأطاعهم في أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات والتأثيرات.

واغترّ بهم مَنْ قلّ حَظّه من العلم والإيمان، فوالَى أعداء الله، وعادى أولياءه، وحَسّنَ الظنّ بمن خرج عن سبيله وسنته، وأساء الظن بمن اتبع سُنة الرسول وما جاء به، ولم يَدَعْها لأقوال المختلفين، وآراء المتحيرين، وشَطَحات المارقين، وتُرّهات المتصوفين.

992

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي