إغاثة اللهفان

فصل

ومن تلاعبه بهم: أن زيَّن لقوم عبادة الملائكة، فعبدوهم بزعمهم، ولم تكن عبادتهم في الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين، فعبدوا أقبح خَلق الله وأحقَّهم باللعن والذم.

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ٤٠ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠،٤١].

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ١٧ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ١٨ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٧ - ١٩].

وهذه الآيات تحتاج إلى تفسير [١٤٦ ب] وبيان:

فقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ عامٌّ في كل عابدٍ ومن عبده من دون الله.

وأما قوله: ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾:

فقال مجاهد فيما رواه وَرْقاء، عن ابن أبى نجيح، عنه١ قال: هذا

  1. (١) رواه الطبري في تفسيره (١٩/ ٢٤٧) وابن أبي حاتم في تفسيره (١٥٠٢٧)، والأثر عزاه في الدر المنثور (٦/ ٢٤١) للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
994

خطاب لعيسى، وعُزَير، والملائكة.

وروى عنه ابن جُريج نحوه١.

وأما عكرمة، والضحاك٢، والكلبي٣، فقالوا: هو عامٌّ في الأوثان وعبدتها.

ثم يأذن سبحانه لها في الكلام، فيقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾.

قال مقاتل٤: يقول سبحانه: أأنتم أمرتموهم بعبادتكم؟

﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾: أم هُمْ أخطأوا الطريق؟

فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾.

وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة، والمسيح، وعُزير، ومن عبدهم المشركون من أولياء الله.

ولهذا قال ابنُ جرير: يقول تعالى: قالت الملائكة وعيسى للذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ نواليهم، بل أنت ولينا من دونهم.

  1. (١) رواه الطبري في تفسيره (١٩/ ٢٤٧).
  2. (٢) انظر تفسيرهما في: الكشف والبيان (٧/ ١٢٧)، ومعالم التنزيل (٦/ ٧٦)، وزاد المسير (٦/ ٧٨)، والجامع لأحكام القرآن (١٣/ ١٠).
  3. (٣) انظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٧٣).
  4. (٤) تفسير مقاتل (٢/ ٤٣٣).
995

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي