إغاثة اللهفان

وقال النبي ﷺ: «المرء مع من أحب»١. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]، وقال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ٢٢ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ٢٣ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ٢٤ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٥]، قال عمر بن الخطاب ﵁: أزواجهم أشباههم ونظراؤهم٢.

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، فقرن كل شكل إلى شكله، وجعل معه قرينا وزوجا: البر مع البر، والفاجر مع الفاجر.

والمقصود أن من أحب شيئا سوى الله تعالى فالضرر حاصل له بمحبوبه، إن وُجد وإن فُقد؛ فإنه إنْ فَقَدَه عُذِّب بفواته، وتألم على قدر تعلُّق قلبه به، وإن وجده كان ما يحصل له من الألم قبل حصوله، ومن النكد في حال حصوله، ومن الحسرة عليه بعد فواته، أضعافُ أضعافِ ما في حصوله له من اللذة:

  1. (١) أخرجه البخاري (٦١٧٠)، ومسلم (٢٦٤١) عن أبي موسى الأشعري.
  2. (٢) رواه ابن منيع - كما في المطالب العالية (٤/ ١٤٧) - بلفظ: «أزواجهم أشباههم»، وصححه ابن حجر. ورواه ابن جرير في تفسيره (٢١/ ٢٧، ٢٤/ ٢٤٤) ولفظه: «وأزواجَهم ضُرباءَهم». وعزاه في الدر المنثور (٧/ ٨٣) لعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث، ولفظه: «أمثالهم الذين هم مثلهم»، وصححه الحاكم (٣٦٠٩).
62
فَمَا في الأرْضِ أَشْقَى مِنْ مُحِبٍّوَإِنْ وجَدَ الهَوَى حُلْوَ المذَاقِ
تَرَاهُ بَاكِيًا في كُلِّ حَالٍمَخَافَةَ فُرْقَةٍ أَوْ لاشْتِياقِ
فَيَبْكِي إنْ نَأَوْا شَوْقًا إلَيْهِمْوَيَبْكِي إِنْ دَنَوْا حَذرَ الْفِرَاقِ
فَتَسْخُنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّلاقيوَتَسْخُنُ عَيْنُهُ عِنْدَ الْفِرَاقِ١

وهذا أمرٌ معلومٌ بالاستقراء والاعتبار والتجارب، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها؛ إلا ذكر الله وما والاه»٢؛ فذِكْرُ الله٣ جميع أنواع طاعته، فكل من كان في طاعته فهو ذاكره، وإن لم يتحرك لسانه بالذكر، وكل من والاهُ الله فقد أحبَّه وقربَه، فاللعنة لا تنال ذلك بوجه، وهى نائلةٌ كلَّ ما عداه.

الوجه السابع: أن اعتماد العبد على المخلوق، وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولا بد، عكس ما أمّله منه، فلا بد أن يُخْذَلَ من الجهة التي قَدّر أن يُنْصَر منها، ويُذمّ من حيث قدَّر أن يُحْمد. وهذا٤ أيضًا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة، فهو معلوم بالاستقراء والتجارب، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ

  1. (١) الأبيات لنصيب في ديوانه (ص ١١١)، وبلا نسبة في الحماسة (٢/ ٩٣).
  2. (٢) سنن الترمذي (٢٣٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه أيضًا ابن ماجه (٤١١٢)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٢٦)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٢٦٥)، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وحسنه ابن القيم في عدة الصابرين (ص ١٤٠)، وابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٣٨)، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٧٩٧). وفي الباب عن جابر وأبي الدرداء ﵄.
  3. (٣) الأصل: «فذكره».
  4. (٤) «هذا» ساقطة من م.
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي