إغاثة اللهفان

ثم اختلفوا:

فقالت فِرْقة منهم: إن النور لم يزَلْ فوق الظلمة.

وقالت فرقة: بل كلّ واحد منهما إلى جانب الآخر.

وقالت فرقة: النور لم يزل مرتفعًا في ناحية الشمال، والظلمة منحطة [١٤٨ أ] في الجنوب، ولم يزل كل واحد منهما مباينًا لصاحبه.

وزعموا أن لكل واحد منهما أربعة أبدان، وخامس: هو الروح.

فأبدان النور الأربعة: النار، والنور، والريح، والماء، وروحه: السبح، ولم يزل يتحرك في هذه الأبدان.

وأبدان الظلمة الأربعة: الحريق، والظلمة، والسَّمُوم، والضباب، وروحها: الدخان.

وسمَّوا أبدان النور ملائكة، وسمَّوا أبدان الظلمة شياطين وعفاريت.

وبعضهم يقول: الظلمة تتولد شياطين، والنور يتولدُ ملائكة، والنور لا يقدر على الشرّ، ولا يجيء منه، والظلمة لا تقدر على الخير، ولا يجيء منها.

ولهم مذاهب سخيفة جدًّا.

وفرض عليهم صوم سُبع العمر، وأن لا يؤذي أحدهم ذا روح البتة.

ومن شريعتهم: أن لا يدّخروا إلا قوت يومٍ، وتجنّب الكذب، والبُخل، والسّحر، وعبادة الأوثان، والزنى، والسرقة.

واختلفوا: هل الظُلمة قديمة أو حادثةٌ؟

فقالت فرقةٌ منهم: هي قديمةٌ، لم تزَلْ مع النور.

1003

وقالت فرقة: بل النور هو القديم، ولكنه فَكّرَ فكرةً رديئةً حدثت منها الظُّلمة.

فدار مذهبهم على أصلين من أبطل الباطل:

أحدهما: أن شر الموجودات، وأخبثها، وأردأها: كُفْؤٌ لخير الموجودات، وضدٌّ له ومُناوئٌ له، يُعارضه، ويُضادّه، ويناقضه دائمًا، ولا يستطيعُ دفعه.

وهذا أعظم من شرك عُبّاد الأصنام، الذين عبدوها لتُقَرّبهم إلى الله تعالى، فإنهم جعلوها مملوكةً له، مربوبةً مخلوقة، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبّيكَ اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكٌ هو لَكَ، تَمْلكهُ وما ملَكَ١.

والأصل الثاني: أنهم نزّهوا النور أن يَصْدُرَ منه شرٌّ، ثم جعلوه مَنْبَعَ الشرّ كله، وأصلَه ومُوَلِّدَهُ، وأثبتوا إلهين، ورَبّينِ، وخالقين، فجمعوا بين الكفر بالله تعالى، وأسمائه وصفاته، ورسله، وأنبيائه، وملائكته، وشرائعه، وأشركوا به أعظم الشرك.

وحكى أربابُ المقالات عنهم: أن قومًا منهم يقال لهم: الدِّيصَانِيّةُ زعموا أن طينةَ العالم كانت طينةً خَشِنَةً، وكانت تُحاكي جسم النور الذي هو الباري عندهم زمانًا، فتأذّى بها، فلما طال ذلك عليه قصد تنحيتها عنه، فتوحّل فيها، واختلط بها، فتركّب من بينهما هذا العالم المشتملُ على النور والظلمة، فما كان من جهة الصلاح فمن النور، وما كان من جهة الفساد فمن الظلمة.

  1. (١) كما في الحديث الذي أخرجه مسلم (١١٨٥) عن ابن عباس.
1004

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي