وهذا أمرٌ معلومٌ بالاستقراء والاعتبار والتجارب، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها؛ إلا ذكر الله وما والاه»٢؛ فذِكْرُ الله٣ جميع أنواع طاعته، فكل من كان في طاعته فهو ذاكره، وإن لم يتحرك لسانه بالذكر، وكل من والاهُ الله فقد أحبَّه وقربَه، فاللعنة لا تنال ذلك بوجه، وهى نائلةٌ كلَّ ما عداه.
الوجه السابع: أن اعتماد العبد على المخلوق، وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولا بد، عكس ما أمّله منه، فلا بد أن يُخْذَلَ من الجهة التي قَدّر أن يُنْصَر منها، ويُذمّ من حيث قدَّر أن يُحْمد. وهذا٤ أيضًا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة، فهو معلوم بالاستقراء والتجارب، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ
(١) الأبيات لنصيب في ديوانه (ص ١١١)، وبلا نسبة في الحماسة (٢/ ٩٣).
(٢) سنن الترمذي (٢٣٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه أيضًا ابن ماجه (٤١١٢)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٢٦)، والبيهقي في الشعب (٢/ ٢٦٥)، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وحسنه ابن القيم في عدة الصابرين (ص ١٤٠)، وابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٣٨)، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٧٩٧). وفي الباب عن جابر وأبي الدرداء ﵄.
(٣) الأصل: «فذكره».
(٤) «هذا» ساقطة من م.
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ٧٤ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾[يس: ٧٤، ٧٥]؛ أي يغضبون لهم ويحاربون، كما يغضب الجند ويحارب عن أصحابه١، وهم لا يستطيعون نصرهم، بل هم كَلٌّ عليهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾[هود: ١٠١]؛ أي غيرَ تَخسير، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾[الشعراء: ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾[الإسراء: ٢٢]؛ فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة، والحمد والثناء تارة، فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه، ويحصل له الخِذلان والذم.
والمقصود أن هذين الوجهين في المخلوق ضدُّهما في الخالق، فصلاح القلب وسعادته وفلاحه في عبادة الله والاستعانة به، وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق والاستعانة به.
الوجه الثامن: أن الله سبحانه غني كريم، عزيز رحيم؛ فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة؛ بل رحمةً منه وإحسانًا. فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثّر بهم من قِلّة، ولا ليتعزَّز بهم من ذِلّة، ولا ليرزقوه، ولا لينفعوه، ولا ليدفعوا عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ٥٧ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾