إغاثة اللهفان

ذكر تلاعبه بالصابئة

وهذه أُمّةٌ كبيرة من الأمم الكبار، وقد اختلف الناسُ فيهم اختلافًا كثيرًا، بحسب ما وصل إليهم من معرفة دينهم.

وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].

فذكرهم في الأمم الأربعة الذين تنقسمُ كل أمةٍ منهم إلى ناجٍ وهالك.

وذكرهم أيضًا في الأمم الستة، التي انقسمت جملتهم إلى ناجٍ وهالك، كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧].

فذكر الأمّتين اللّتين لا كتاب [١٤٩ أ] لهم، ولا ينقسمون إلى شقيٍّ وسعيد، وهما: المجوس والمشركون، في آية المَفْصِلِ، ولم يذكرهما في آية المَوْعِدِ بالجنة، وذكر الصابئين فيهما، فَعُلِمَ أن فيهم الشقيّ والسعيد.

وهؤلاء كانوا قوم إبراهيم الخليل، وهم أهلُ دعوته، وكانوا بحَرَّانَ، فهي دار الصابئة.

وكانوا قسمين: صابئةً حُنفاء، وصابئةً مشركين، والمشركون منهم يُعَظِّمُون الكواكب السبعة، والبروج الاثني عشر، ويصوّرونها في هياكلهم.

ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة، وهي المتعبّدَات الكبار، كالكنائس للنصارى، والبِيَعِ لليهود.

1008

فلهم هيكلٌ كبير للشمس، وهيكلٌ للقمر، وهيكلٌ للزُّهَرَة، وهيكلٌ للمُشْتري، وهيكل للمرّيخ، وهيكلٌ لعُطادر، وهيكلٌ لزُحَل وهيكلٌ للعلة الأولى.

ولهذه الكواكب عندهم عباداتٌ ودعواتٌ مخصوصة، ويصوِّرونها في تلك الهياكل، ويتخذون لها أصنامًا تخصّها، ويقرّبون لها القرابين، ولها صلواتٌ خمسٌ في اليوم والليلة، نحو صلوات المسلمين.

وطوائفُ منهم يصومون شهر رمضان، ويستقبلون في صلواتهم الكعبة، ويعظّمون مكة، ويرون الحجّ إليها، ويُحرّمون الميتة والدم ولحم الخِنزير، ويحرِّمون من القَرابات في النكاح ما يُحَرّمه المسلمون.

وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد، منهم هلالُ بن المحسن الصابئ صاحب الديوان الإنشائي، وصاحب الرسائل المشهورة، وكان يصوم مع المسلمين، ويُعيِّدُ معهم، ويزَكِّي، ويُحرّم المحرمات، وكان الناس يتعجبون من موافقته للمسلمين، وليس على دينهم.

وأصل دين هؤلاء فيما زعموا: أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم، ويخرجون من قبيح ما هُمْ عليه قولًا وعملًا، ولهذا سُمُّوا صابئة أي: خارجين، فقد خرجوا عن تقيُّدهم بجملة كل دين وتفصيله إلا ما رأوه فيه من الحق.

وكانت كفَّار قريش تُسمّي النبي ﷺ الصابئ، وأصحابَه الصُّبَاةَ.

يقال: صبأ الرجل بالهمز: إذا خرج من شيء إلى شيء، وصبا يصبو: إذا مال، ومنه قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، أي:

1009

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي