إغاثة اللهفان

فصل

في ذِكْرِ تلاعُبه بالدّهْرِيّةِ

وهؤلاء قوم عَطّلوا المصنوعات عن صانعها، وقالوا ما حكاهُ الله سبحانه عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].

وهؤلاء فرقتان:

فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لمَّا خلق الأفلاك مُتَحرّكةً أعظم حركةٍ، دارت عليه فأحْرَقتْهُ، ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها.

وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول البتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكوَّنت الأشياء مركباتها وبسائطها من ذاتها، لا من شيء آخر.

وقالوا: إن العالم دائم لم يَزل ولا يزالُ، لا يتغيَّر، ولا يضمحلُّ، ولا يجوز أن يكون المُبْدع يفعل فعلًا يبطلُ ويضمحلّ إلا وهو يبطلُ ويضمحلّ مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي فيه.

وهؤلاء هم المعطلة حقًا، وهم فحول المعطلة، وقد سَرى هذا التعطيل إلى سائر فرق المعطلة، على اختلاف آرائهم وتباينهم في التعطيل، كما سرى داءُ الشرك تأصيلًا وتفصيلًا في سائر فرق المشركين على اختلاف مذاهبهم فيه، وكما سرى جَحْدُ النبوات تأصيلًا وتفصيلًا في سائر مَنْ جحد النبوة أو صفة من صفاتها، وأقرّ بها جملة وجحد مقصودها وزُبدتها أو بعضه.

1016

فهذه الفرق الثلاث سَرَى داؤها وبلاؤها في الناس، ولم ينجُ منه إلا أتباع الرسول العارفون بحقيقة ما جاء به، المتمسِّكون به دون ما سواه، ظاهرًا وباطنًا.

فداءُ التعطيل، وداء الإشراك، وداءُ مخالفة الرسول، وجحد ما جاءَ به أو شيء منه: هي أصل بلاء العالم، ومنبع كل شرٍّ، وأساس كل باطل، فليست فرقة من فرق أهل الإلحاد والباطل والبدع إلا وقولها مشتقٌّ من هذه الأصول الثلاثة، أو من بعضها:

فإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍوَإِلَّا فَإِنِّي لَا أظُنُّكَ نَاجِيا١

فصل

فَسَرَتْ هذه البلايا الثلاثة في كثير من طوائف الفلاسفة، لا في جميعهم، فإن الفلسفة من حيث هي لا تُعطي ذلك، فإن معناها: محبةُ الحِكْمَة، والفيلسوف أصله: فِيْلاسوفا، أي: محب الحكمة، فـ (فيلا) هي الحبّ، و(سُوفا) هي الحكمة.

والحكمة نوعان: قولية وفعلية، فالقولية: قول الحقّ، والفعلية: فعل الصواب، وكل طائفةٍ من الطوائف لهم حكمة يتقيّدُون بها.

وأصحّ الطوائف حكمةً: من كانت حِكمتُهم أقرب إلى حكمة الرسل التي جاءوا بها عن الله تعالى.

  1. (١) البيت للأسود بن سريع في البيان والتبيين (١/ ٣٦٧). وسرقه الفرزدق كما في المعارف (ص ٥٥٧). وهو لعسعس بن سلامة في المستقصى (١/ ٣٨٥). انظر تعليق المحقق على طبقات فحول الشعراء (ص ١٨٢).
1017

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي