إغاثة اللهفان

فهذه الفرق الثلاث سَرَى داؤها وبلاؤها في الناس، ولم ينجُ منه إلا أتباع الرسول العارفون بحقيقة ما جاء به، المتمسِّكون به دون ما سواه، ظاهرًا وباطنًا.

فداءُ التعطيل، وداء الإشراك، وداءُ مخالفة الرسول، وجحد ما جاءَ به أو شيء منه: هي أصل بلاء العالم، ومنبع كل شرٍّ، وأساس كل باطل، فليست فرقة من فرق أهل الإلحاد والباطل والبدع إلا وقولها مشتقٌّ من هذه الأصول الثلاثة، أو من بعضها:

فإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍوَإِلَّا فَإِنِّي لَا أظُنُّكَ نَاجِيا١

فصل

فَسَرَتْ هذه البلايا الثلاثة في كثير من طوائف الفلاسفة، لا في جميعهم، فإن الفلسفة من حيث هي لا تُعطي ذلك، فإن معناها: محبةُ الحِكْمَة، والفيلسوف أصله: فِيْلاسوفا، أي: محب الحكمة، فـ (فيلا) هي الحبّ، و(سُوفا) هي الحكمة.

والحكمة نوعان: قولية وفعلية، فالقولية: قول الحقّ، والفعلية: فعل الصواب، وكل طائفةٍ من الطوائف لهم حكمة يتقيّدُون بها.

وأصحّ الطوائف حكمةً: من كانت حِكمتُهم أقرب إلى حكمة الرسل التي جاءوا بها عن الله تعالى.

  1. (١) البيت للأسود بن سريع في البيان والتبيين (١/ ٣٦٧). وسرقه الفرزدق كما في المعارف (ص ٥٥٧). وهو لعسعس بن سلامة في المستقصى (١/ ٣٨٥). انظر تعليق المحقق على طبقات فحول الشعراء (ص ١٨٢).
1017

قال تعالى عن نبيه داود ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠].

وقال عن المسيح ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨].

وقال عن يحيى ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، والحُكم هو الحكمة.

وقال لرسوله محمد ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣].

وقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].

وقال لأهل بيت رسوله ﷺ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤].

فالحكمة التي جاءت بها الرسُلُ هي الحكمةُ الحقّ، المتضمنة للعلم النافع والعمل الصالح، للهُدَى ودين الحق، لإصابة الحق اعتقادًا وقولًا وعملًا، وهذه الحكمة فَرّقها الله سبحانه بين أنبيائه ورسله، وجمعها لمحمدٍ ﷺ، كما جمع له من المحاسن ما فَرّقَه في الأنبياء قبله، وجمعَ في كتابه من العلوم والأعمال ما فَرّقه في الكُتُب قبله، فلو جُمِعت كلّ حكمةٍ صحيحةٍ في العالم من كلّ طائفةٍ، لكانت في الحكمة التي أوتيها صلوات الله وسلامه عليه جزءًا يسيرًا [١٥١ أ] جدًّا، لا يُدْركُ البشر نسبته.

1018

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي