إغاثة اللهفان

على أن الله سبحانه والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك».

ثم ذكر تقرير ذلك بالمعقول، وبَيّن بُطلان الشبهة التي لأجلها نفتها الجهميّة ومَن وافقهم، إلى أن قال:

«فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجبٌ بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع، وانبنى عليه، وأن إبطال هذه القاعدة إبطالٌ للشرائع».

فقد حكى لك هذا المطلع على مقالات القوم الذي هو أعرف بالفلسفة من ابن سينا وأضرابه: إجماع الحكماء على أن الله سبحانه في السماء فوق العالم. والمطفّفون في حكايات مقالات الناس لا يحكون ذلك: إما جهلًا، وإما عمدًا، وأكثرُ من رأيناه يحكي مذاهب الناس ومقالاتهم مطفِّفٌ.

وكذلك الأساطين منهم متفقون على إثبات الصفات والأفعال، وحدوث العالم، وقيام الأفعال الاختيارية بذاته سبحانه، كما ذكره فيلسوف الإسلام في وقته: أبو البركات البَغدادي، وقررّه غاية التقرير، وقال: «لا يستقيم كونُ الرب سبحانه ربّ العالمين إلا بذلك، وأن نفي هذه المسألة ينفي ربوبيته»، قال: «والإجلال من هذا الإجلال، والتنزيه من هذا التنزيه: أولى».

فصل

وكذلك كان أساطينهم ومُتَقدّموهم العارفون فيهم مُعظِّمين للرسل والشرائع، موجبين لاتّباعهم، خاضعين لأقوالهم، معترفين بأن ما جاءوا به

1020

طَوْرٌ آخر وراء طَوْرِ العقل، وأن عقول الرّسل وحِكمتهم فوق عُقول العالمين وحكمتهم.

وكانوا لا يتكلمون في الإلهيات، ويُسْلِمون باب الكلام فيها إلى الرُّسل، ويقولون: علومُنا إنما هي الرياضيات والطبيعيات وتوابعها، وكانوا يُقِرُّون بحدوث العالم.

وقد حكى أرباب المقالات أن أول من عُرف عنه القولُ بقدم هذا العالم: أرسطو، وكان [١٥١ ب] مُشركًا يعبد الأصنام، وله في الإلهيّات كلامٌ كله خطأ من أوله إلى آخره، قد تَعقبّه بالردّ عليه طوائف المسلمين، حتى الجهميّةُ، والمعتزلة، والقدرية، والرافضة، وفلاسفة الإسلام، أنكروه عليه، وجاء فيه بما يسخر منه العقلاء.

وأنكر أن يكون الله سبحانه يعلم شيئًا من الموجوادت، وقَرّر ذلك بأنه لو علم شيئًا لكَمَلَ بمعلوماته، ولم يكن كاملًا في نفسه، وبأنّه كان يَلحقه التعب والكَلالُ من تصور المعلومات.

فهذا غاية عقل هذا المعلم الأستاذ. وقد حكى ذلك أبو البركات، وبالغ في إبطال هذه الحجج وردِّها.

فحقيقة ما كان عليه هذا المعلم لأتباعه: الكفرُ بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ودَرج على أثره أتباعُهُ من الملاحدة، ممن يتستّر باتِّباع الرسل، وهو مُنْحَلٌّ من كلّ ما جاءوا به.

وأتباعه يعظِّمونه فوق ما يعظِّم به الأنبياء، ويرون عَرْضَ ما جاءت به الرسل والأنبياء على كلامه، فما وافقه منها قبلوه، وما خالفه لم يَعْبأُوا به شيئًا.

1021

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي