إغاثة اللهفان

ويسمُّونه المعلم الأول، لأنه أول من وضع لهم التعاليم المنطقية، كما أن الخليل بن أحمد أول من وضع عَروض الشعر.

وزعم أرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعاني، كما أن العروض ميزان الشعر.

وقد بيّن نُظّار الإسلام فساد هذا الميزان وعِوجَهُ، وتعويجه للعقول، وتخبيطه للأذهان، وصنفوا في ردِّه وتهافته كثيرًا.

وآخر من صنف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ألّف في رده وإبطاله كتابين كبيرًا وصغيرًا١، بيّن فيه تناقضه وتهافته، وفساد كثير من أوضاعه.

ورأيت فيه تصنيفًا لأبى سعيد السِّيرافي٢.

والمقصود أن الملاحدة درجت على أثَرِ هذا المعلم الأول، حتى انتهت نَوْبَتُهُم إلى معلمهم الثاني أبي نصر الفارابي، فوضع لهم التعاليم الصّوتية، كما أن المعلِّم الأول وضع لهم التعاليم الحرفية، ثم وسّع الفارابي الكلام في صناعة المنطِق، وبسَّطها، وشرح فلسفة أرسطو وهذّبها، وبالغ في ذلك، وكان على طريقة سلفه: من الكفر بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.

فكل فيلسوف لا يكون عند هؤلاء كذلك فليس بفيلسوف في الحقيقة،

  1. (١) هما: الرد على المنطقيين، ونقض المنطق.
  2. (٢) هو المناظرة بينه وبين متى بن يونس التي حكاها أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة (١/ ١٠٧ ــ ١٢٩).
1022

وإذا رأوه مؤمنًا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، ولقائه١، متقيِّدًا بشريعة الإسلام، نسبوه إلى الجهل والغباوة، فإن كان ممن لا يشكُّون في فضيلته ومعرفته، نسبوه إلى التلبيس والتنميس بناموس الدِّين، استمالةً لقلوب العوامِّ.

فالزندقة والإلحاد عند هؤلاء جزء من مسمى الفضيلة أو شرط.

ولعلّ الجاهل يقول: إنا تحامَلْنا عليهم في نسبة الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله إليهم، وليس هذا من جهله بمقالات القوم، وجهله بحقائق الإسلام ببعيد.

فاعلم أن الله ــ سبحانه وتعالى عما يقولون ــ عندهم كما قرّره أفضلُ متأخِّريهم ولسانهم وقدوتهم الذي يقدِّمونه على الرسل أبو علي بن سينا هو: الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وليس له عنده صفة ثبوتية تقوم به، ولا يفعل شيئًا باختياره البتة، ولا يعلم شيئَا من الموجوادت أصلًا، لا يعلم عدد الأفلاك، ولا شيئًا من المغَيَّبات، ولا له كلامٌ يقوم به، ولا صفةٌ.

ومعلوم أن هذا إنما هو خيالٌ مقدَّر في الذهن، لا حقيقة له، وإنما غايَتُهُ أن يفرضه الذّهن ويقَدّره، كما يفرض الأشياء المقدّرة، [١٥٢ أ] وهذا ليس هو الربّ الذي دعت إليه الرُّسل وعرفته الأمم، بل بين هذا الرب الذي دعت إليه الملاحدة وجرّدته عن الماهيّة، وعن كل صفة ثُبوتية، وكل فعلٍ اختياريٍّ، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا مباين له، ولا فوقه ولا تحته، ولا أمامه ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن شماله، وبين ربّ العالمين وإله المرسلين من الفَرق ما بين الوجود والعدم والنفي والإثبات.

  1. (١) م: «وآياته». والمثبت من باقي النسخ.
1023

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي