وهو سبحانه لا يُوالي من يواليه من الذل، كما يُوالي المخلوقُ المخلوقَ، وإنما يُوالي أولياءه إحسانًا ورحمة ومحبة لهم، وأما العباد فإنهم كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾[محمد: ٣٨]، فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يُحْسِن بعضُهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك، وانتفاعه به عاجلًا أو آجلًا، ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقًا إلى حصول١ نفع ذلك الإحسان إليه؛ فإنه إما أن يُحسِن إليه لتوقع جزائه في العاجل، فهو محتاج إلى ذلك الجزاء، ومُعاوِضٌ بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره، فهو أيضًا إنما يُحسِن إليه ليحصل له منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير، وإما أن يريد الجزاء من الله في الآخرة، فهو أيضًا محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخَّر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير مَلُوم في هذا القصد؛ فإنه فقير محتاج، وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه.
وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾[الإسراء: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا٢ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾[البقرة: ٢٧٢]، وقال تعالى، فيما رواه عنه رسوله ﷺ: «يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضرُّوني، ولن
(١) في بعض النسخ: «وصول».
(٢) في جميع النسخ: «وما تفعلوا».
تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوَفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه»١.
فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد انتفاعه بك،
والرب تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه بك، وذلك منفعة محضة لك، خالصة من المضرة، بخلاف إرادة المخلوق نفعك، فإنه قد تكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمُّل مِنّته.
فتدبر هذا، فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق، أو تعامله دون الله، أو تطلب منه نفعًا أو دفعًا، أو تُعلِّق قلبك به؛ فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك. وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض، وهو حال الولد مع والده، والزوج مع زوجته، والمملوك مع سيده، والشريك مع شريكه، فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم، وأحسن إليهم لله، وخاف الله فيهم، ولم يَخَفْهُم مع الله، ورجا الله بالإحسان إليهم، ولم يَرْجُهُم مع الله، وأحبهم لحب الله، ولم يحبهم مع الله، كما قال أولياء الله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾[الإنسان: ٩].
الوجه التاسع: أن العبد لا يعلم مصلحتك حتى يُعرِّفه الله تعالى إياها، ولا يقدر على تحصيلها لك حتى يُقدِره الله عليها، ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة، [١٣ أ] فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه؛ وهو الذى بيده
(١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧) عن أبي ذر. ولشيخ الإسلام ابن تيمية شرح عليه مطبوع ضمن مجموع الفتاوى (١٨/ ١٣٦ - ٢٠٩). وقبله في مجموعة الرسائل المنيرية (٣/ ٢٠٥ ــ ٢٤٦).